كلمة
منذ ان حملنا نحن المسيحيين العرب صليبنا ورحلنا إلى بلاد الفرنجة . هربا
من اضطهاد وظلم وعنف المحمديين .
وسعيا وراء الحرية والأمن والامان، التي حرمتنا منها شريعة الإسلام.
كنا ولا زلنا من أوائل الذين دقوا ناقوس الخطر . محذرين من خطر انتشار
الإسلام في أوطاننا الجديدة التي
رحلنا إليها . لكن ومع شديد أسفي كانت صيحاتنا التحذيرية تذهب هباء الريح .
معرفتنا بالإسلام وبخطورة تعاليمه وقساوة أحكامه . كانت تدفعنا دفعا
لإطلاق مثل تلك الصرخات التحذيرية .
التي كانت تواجه من قبل الكثيرين اما بالا مبالاة والاستهزاء . واما باتهامنا
بالعنصرية.
اما ألان وبعد أحداث 11
سبتمبر 2001. فان الأمر اصبح مختلف تماما، والاهتمام بمعرفة الإسلام اصبح اكبر
واكثر . الامر الذي شجعني على إصدار هذا الكتاب ليكون بمثابة خطوة أولى على طريق
معرفة حقيقة الإسلام . وبهذا يكون إسهامي المتواضع
ضد الإرهاب الذي أنا أحد ضحاياه .
الشيخ
المقدسي
مقدمة
الكتاب
النفاق
، الإرهاب ، العنصرية . ثلاثة آفات (صفات) ذميمة
وخطيرة
قام عليها وانتشر من خلالها الإسلام. النفاق في الإسلام وسيلة . والإرهاب
لغة حوار . والعنصرية نمط عيش.
من المؤكد ان الذين لا يعرفون حقيقة الإسلام ، ولا حقيقة علومه الشرعية
المختلفة . سيتهمونني بالافتراء والتهجم على الإسلام . لهؤلاء جميعا أقول : ليس
هدفي التقبيح والتجريح في الإسلام .
ولا الطعن والتشكيك في رموزه الدينية .
بل هدفي هو إظهار الإسلام وكما هو في حقيقته وجوهره . دون زيادة ولا نقصان
.
الذين لم يذوقوا مرارة الإسلام لا يعرفون الإسلام . الإسلام مر المذاق .
مرارة الإسلام لا يعادلها الا مرارة الموت . الموت والإسلام لهما نفس الطعم ونفس
المذاق . لم تحمل البشرية بجميع ويلاتها ونكباتها حملا اثقل من الإسلام . انه حمل
البشرية الأثقل . انها الحقيقة . حقيقة أعلنها الإسلام بنفسه عن نفسه بشكل واضح
وصريح. وذلك من خلال قرانه وعلى لسان نبيه . ولكي لا يتهمني أحد قليلي
المعرفة بالافتراء والتهجم على
الإسلام . دعوني أبين وأبرهن لكم حقيقة دعواي . معتمد لذلك على القران وعلى السنة
والسيرة النبوية وعلى آراء واقوال اكبر واشهر علماء المسلمين قديما وحديثا.
فلأصحاب الفضيلة في هذا الخصوص المقام الأول بعد القران والسنة. فعليهم اعتمدنا
واليهم رجعنا وبهم استعنا.
الشيخ
المقدسي
الفصل الأول
النفاق
موقف القرآن والسنة من الكذب
معنى
التقية
نماذج
من التقية
المثل
الأول : في من آذى الرسول
المثل
الثاني : كيف يتم ترويج سلعة الإسلام
الآيات
المنسوخة
موقف
القرآن والسنة
من الكذب
لقد سبق لي
وان نوهت بأنني سأعتمد ببحثي هذا على القران والسنة. لهذا دعوني ابين لكم موقف
القران والسنة من النفاق والكذب .
اعلم هداك
الله وحماك من شر المنافقين ان القران أباح
للمسلمين الكذب والنفاق . خصوصا إذا كان في ذلك مصلحة ونصرة للإسلام
وللمسلمين.
وقد جاءت الرخصة
القرآنية بالكذب والنفاق في اكثر من سورة منها :
سورة
النحل: ( مَنْ كَفَرَ باللهِ مِنْ
بَعْدِ إيمانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلبُهُ مُطْمَئنٌ بالاِيمانِ ) سورة النحل
106.
لقد اجمع
علماء الإسلام ان هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين أعطى الكافرين ما أرادوا
بلسانه مكرها .
قال ابن
عباس: أخذه المشركون (عمار بن ياسر) وأخذوا أباه وأمه سمية وصهيب وبلال وخباب وسالم فعذبوهم, وربطت سمية بين بعيرين , وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال; فقتلت وقتل
زوجها ياسر, وهما أول قتيلين في الإسلام.
وأما عمار
فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها, فشكا ذلك إلى رسول الله, فقال له رسول الله :
(كيف تجد قلبك)؟ قال: مطمئن بالإيمان. فقال رسول الله: (فإن عادوا فعد). راجع
تفسير آية سورة النحل للطبري .
وبالجملة ،
فان جميع ما وقفت عليه من كتب التفسير وغيرها متفق على نزول الآية بشأن عمار بن ياسر
وأصحابه الذين وافقوا المشركين على ما أرادوا. راجع: تفسير الواحدي 1 : 466مطبوع
بهامش تفسير النووي ، والمبسوط للسرخسي 24 : 25 . والكشاف للزمخشري 2 : 449 ـ 550،
والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الاَندلسي 10 : 234 ـ 235 وأحكام
القرآن لابن العربي 2 : 1177 ـ 1182 (وفيه كلام طويل عن التقية) .
قالوا : " لما سمح الله
عز وجل بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه, فإذا وقع الإكراه لم يؤاخذ به ولم
يترتب عليه حكم; وبه جاء الأثر المشهور عن النبي: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه) متفق عليه . راجع تفسير الطبري في شرحه لآية النحل 106.
أجمع
علماء المسلمين على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل, أنه لا إثم عليه
إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان.
وقد ذكر
الزمخشري بتفسيره: روى ان أناس من
أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد
دخولهم فيه ، وكان فيهم من اكره، وأجرى كلمة الكفر على لسانه ، وهو معتقد للأيمان.
منهم عمار بن ياسر ، وأبواه، ياسر، وسمية، وصهيب، وبلال، وخباب، عذبوا00 فأما عمار
فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً . راجع: الكشاف عن حقائق التنزيل 2/432.
ونحن إذ
نتعرض هنا للأدلة القرآنية الدالة على مشروعية الكذب والنفاق في الإسلام، نود
التذكير بأن الدليل الواحد المعتبر الدال على صحة قضية يكفي لاثباتها ، فكيف لو
توفّرت مع إثباتها أدلة قرآنية كثيرة ، لم يُختَلَف في تفسيرها ؛ لاَنّها محكمة
(أي واضحة المعنى والحكم) يُنبىء ظاهرها عن حقيقتها ولا مجال للتأويل فيها ؟ .
الآية
الثانية
هي آية
التقية بحسب المصطلح الإسلامي .
ستكون هذه
الآية مدار بحثنا لأنها الأهم لكونها القاعدة الأساسية والشرعية الذي ينطلق منها
المسلمون في تعاملهم مع غير المسلمين ، وهذه الآية هي: (لا يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافِرينَ أوليَاءَ مِنْ دُونِ
المُؤمِنينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلاَّ أنْ
تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ... )
آل عمران : 28 . أنها آية التقية .
لقد أخرج
الطبري في تفسير هذه الآية ، من عدة طرق ، عن ابن عباس، والحسن البصري ، والسدي ،
وعكرمة مولى ابن عباس ، ومجاهد ابن جبر ، والضحاك بن مزاحم جواز التقية في ارتكاب
المعصية عند الإكراه عليها كاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين في حالة كون
المتقي في سلطان الكافرين ويخافهم على نفسه ، وكذلك جواز التلفظ بما هو لله معصية
بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالايمان، فهنا لا أثم عليه. تفسير الطبري (جامع
البيان عن تأويل آي القرآن) 6: 313 ـ 317 .
هذا مع
اعتراف سائر المسلمين بأن الآية لم تنسخ فهي على حكمها منذ نزولها وإلى يوم
القيامة ، ولهذا كان الحسن البصري يقول : (إنَّ التقية جائزة إلى يوم القيامة) .
حكاه الفقيه السرخسي الحنفي ، وقال معقباً : (وبه نأخذ ، والتقية أن يقي نفسه من
العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه). المبسوط للسرخسي 24 : 45 من كتاب الإكراه.
قبل ان
استكمل استعراضي لاقوال مفسري القران
في شرحهم لآية
(التقية)
سورة آل عمران 28. دعوني ابين لكم
المعنى اللغوي والشرعي للتقية
(النفاق الشرعي). وبعض الحالات التي أجيز فيها للمسلم استعمال التقية .
التقية في
اللغة : الحيطة والحذر من الضرر والتوقي منه.راجع : تاج العروس 10 : 396 .
قال ابن
منظور في لسان العرب : ويظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك . لسان العرب.
راجع ايضا : المصباح المنير للفيومي
2: 669 ، وأساس البلاغة ، الزمخشري 686.
وعرفها
الشيخ الأنصاري بـ (الحفظ عن ضرر
الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق) . تصحيح الاعتقاد الشيخ المفيد: 66 . التقية الشيخ
الأنصاري : 37 .
وقال
السرخسي الحنفي : (والتقية : أن يقي نفسه من العقوبة ، وإن كان يضمر خلافه)
المبسوط للسرخسي 24 : 45 .
وبهذا
النحو عرّفها آخرون. راجع تعريف التقية عند ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بشرح
صحيح البخاري 12 : 136 . وعز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي في قواعد
الأحكام في مصالح الأنام 1 : 107 . والآلوسي في روح المعاني 3 : 121 . والمراغي في
تفسيره 3 : 137 . ومحمد رشيد رضا في تفسير المنار 3 : 280 وغيرهم .
والتقية
هي: ان تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك أو لتحتفظ بكرامتك والتقية اسم مصدر من تقى يتقي،
أو من اتقى يتقي. والتقية هي : التحفظ عن
ضرر الغير بموافقته في قول او فعل مخالف للحق. راجع: التقية في إطارها
الفقهي ص 17.
قال الرازي
في تفسيره لآية سورة ال عمران 28 :{الا ان تتقوا منهم تقاة}اعلم ان للتقية أحكاما
كثيرة نذكر منها : ان التقية إنما
تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، يخاف منهم على نفسه، وماله فيداريهم باللسان ،
بان لا يظهر العداوة باللسان بل يجوز أيضا ان يظهر الكلام الموهم للمحبة
والموالاة، ولكن بشرط ان يضمر خلافه وان يعرض في كل ما يقول ، فإن للتقية تأثيرها
في الظاهر لا في أحوال القلوب .راجع تفسير الرازي 8/13 .
وقال
الزمخشري في تفسيره لآية سورة ال عمران 28{ الا ان تتقوا منهم تقاة} : رخص لهم في
موالاتهم إذا أخافوهم، والمراد بتلك المولاة محالفة ، ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن
بالعداوة، والبغضاء، وانتظار زوال المانع
من قصر العصا، وإظهار الطرية. راجع تفسير الكشاف 1/422 وتفسير غريب القران
للنيسابوري بهامش تفسير الطبري 1/277.
وقال
النسفي في تفسيره لآية{ ان تتقوا
منهم تقاة} الا ان تخافون جهتهم أمرا يحب اتقاؤه . اي ان يكون للكافر عليك سلطان
فتخافه على
نفسك ،
ومالك فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة، وإبطان المعاداة. راجع تفسير النسفي بهامش
تفسير الخازن 1/27.
وقد ذهبت
طائفة من علماء المسلمين إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول, وأما في الفعل فلا رخصة
فيه.
واحتج من
قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا
كنت متكلما به. فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل.
قال ابو العالية: التقية
باللسان، وليس بالعمل. عن الحسن قال : سمعت أبا معاذ قال : ان التقية باللسان من
حمل على أمر يتكلم به وهو لله معصية
فتكلم مخافة على نفسه{ وقلبه مطمئن بالأيمان} فلا آثم عليه. راجع: جامع البيان 3/153.
وقالت طائفة: الإكراه في
الفعل والقول سواء. روي ذلك عن عمر بن الخطاب.
أصل
الإكراه في اللغةً : مأخوذ من الفعل (كَرَهَ) ، والاسم : (الكَرهُ)
ويراد به
كل ما أكرهك غيرك عليه ، بمعنى : أقهرك عليه، وأما (الكُرْه) فهو المشقة ، يُقال :
قمت على كُرْهٍ ، أي: على مشقة . راجع : لسان العرب لابن منظور 12 : 80 .
وأمّا في
الاصطلاح : فقد عرّفه التفتازاني بأنه : (حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ) .
التلويح على التوضيح لسعد الدين
التفتازاني 2 : 196 طبعة مصر .
كما عرّفه
عبد العزيز البخاري الحنفي بقوله ، هو : (حمل الغير على أمرٍ يمتنع عنه بتخويف
يقدر الحامل على إيقاعه ، ويصير الغير خائفاً به) كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري 4/1503.
وعند السرخسي الحنفي ، هو :
(اسم لفعل يفعله المرء بغيره ، فينتفي به رضاه ، أو يفسد به اختياره) . المبسوط ،
للسرخسي 24 : 38 من
كتاب
الإكراه. إذن الإكراه هو (حمل الغير على ما يكرهه) .
روى ابن القاسم عن مالك أن
من أكره على شرب الخمر وترك الصلاة أو الإفطار في رمضان, أن الإثم عنه مرفوع.
وقال
إسماعيل حقي في تفسيره روح البيان 5/84 في تفسيره لآية {الا من اكره } اجبر على
ذلك التلفظ بأمر يخاف على نفسه، أو على عضوا من أعضائه لان الكفر اعتقاد، والإكراه
على القول دون الاعتقاد،
والمعنى لكن المكره على الكفر باللسان { وقلبه مطمئن بالأيمان} لم تتغير عقيدته.
وفيه دليل على ان الأيمان المنجي المعتبر عند الله هو
التصديق
بالقلب . راجع المصدر المذكور.
والتقية:
هي أيضا الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد للغير. راجع: فتح الباري 12/ 136؟ .
راجع: تفسير آيات الأحكام للصابوني 1/40.
قال المراغي
في تفسيره لآية ال عمران 28 : التقية هي: ان تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع
الضرر عن نفسك أو مالك أو لتحتفظ
بكرامتك والتقية اسم مصدر من تقى يتقي، أو من اتقى يتقي. راجع : روح البيان
5/ 136-137. الموالاة)
(أضواء البيان) 2/ 111.
قال ابن حجر (التقيــة: الحــذر من
إظهــار ما في النفــس من معتقــد
وغيــره للغـير) (فتح الباري) 12/
314.
وقال ابن القيم (ومعلــوم أن
التقــاة ليســت بمــوالاة ولكـن لما نهاهــم اللـه عن مـوالاة الكفار اقتضى ذلك
معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال، إلا إذا خافوا من شرهم
فأباح لهم التقية، وليست التقية بموالاة) (بدائع الفوائد) لابن القيم، 3/ 69.
وقال الشيــخ عبد اللطيــف بن عبد
الرحمــن آل الشــيخ :(ومسألــة
ظهــار العــداوة غيـر مسألـة وجود
العداوة، (فالأول) يعذر به مع الخوف والعجز لقوله تعالى «إلا أن تتقوا منهم تقاة»،
(والثاني) لابد منه لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حبِّ الله ورسوله
تلازم كُليِّ لا ينفك عن المؤمن) (الرسائل المفيدة) للشيخ عبد اللطيف، جمع سليمان
بن سحمان صـ 284.
يريد الشيخ أن وجود معاداة الكفار
في قلب المؤمن (المسلم) وإظهار هذه المعاداة للكفار واجبان، والواجب الأول ــ وهو
وجود العداوة ــ لابد منه في كل حال، أما الآخر ــ وهو إظهار العداوة ــ فيجوز
تركه عند الخوف منهم للآية المذكورة. فعُلِمَ بذلك أن التقية تجيز إخفاء معاداة
الكفار، وهو نفس كلام ابن القيم، وهو يرجع إلى ما ذكره ابن حجر من أن التقية الحذر
من إظهار ما في النفس، وهو هنا معاداة الكفار، فالتقية إخفاء معاداة الكفار.
وقيل أيضا : إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله
أن يداريهم باللسان إذا كان خائفاً على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان. والتقية لا تحل
إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم) (تفسير القرطبي) 4/ 57.
وقال ابن كثير (وقوله تعالى «إلا
أن تتقــوا منهــم تقــاة» أي مــن خـاف في بعـض البلدان والأوقات من شرهم فله أن
يتقيهم بظاهره لا باطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال «إنا
لنُكْشِرُ في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم». وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى
يوم القيامة.) (تفسير ابن كثير) 1/357.
ولقد اختلف
المسلمون في مقدار الضرر (الإكراه) الذي يبيح للمسلم العمل بالتقية فقالوا: ان
القتل وتلاف الأعضاء والضرب الشديد والحبس الطويل مبيح للعمل بالتقية . لكنهم
اختلفوا في الضرب اليسير والحبس كيوم او يومين . راجع : فتح الباري 12/262.
لم تقف
رخصة النفاق الشرعي (التقية) عند حد السماح للمسلم ان يكفر بالله وقلبه مطمئن
بالايمان ، عند الإكراه . بل شملت التقية حالات غير الكفر بالله مثال على ذلك :
تجويزهم السجود
إلى الصنم في ما لو أُكره المسلم عليه . راجع الجامع
لاَحكام
القرآن للقرطبي 10 : 180 . وتفسير ابن جزي الكلبي المالكي: 366 دار الكتاب العربي
، بيروت.
جواز
ترك الصلاة تقية :
اتفق
المالكية والحنفية والشافعية على جواز ترك الصلاة المفروضة في ما لو أُكره المسلم
على تركها . راجع : الجامع لاَحكام القرآن للقرطبي المالكي 10 : 180 وما بعدها .
والمبسوط للسرخسي الحنفي 24 : 4.
والاَشباه والنظائر للسيوطي الشافعي 207-208.
جوازها
في الزنا :
إذا أكره الرجل
على ارتكاب هذه الجريمة ، واتقى على نفسه بارتكابها فهل يسقط الحد عليه أو لا ؟
اختلفوا
على قولين :أحدهما : سقوط الحد عنه ، وهو قول القرطبي المالكي . راجع : الجامع
لاَحكام القرآن 10 : 180 . وابن العربي المالكي ، أحكام القرآن لابن العربي 3 :
1177 و 1182 . والفرغاني الحنفي ، بدائع الصنائع 7 : 175 ـ 191 . وابن قدامة
الحنبلي ، المغني لابن قدامة 5 :
412 مسألة: 3971 . وابن حزم ،
المحلّى 8 : 331
مسألة
1405.
وقال أبو
حنيفة : يسقط الحد إن كان الإكراه من السلطان ، وإلاّ حُدّ استحساناً . راجع :
بدائع الصنائع 7 : 175 ـ 191 .
والآخر :
إقامة الحد على الزاني تقية ويغرّم مهرها ، وهو قول مالك بن
أنس ،
والشافعي ، وقال أبو حنيفة لا يجب المهر. المغني لابن قدامة :
155 مسألة
7167.
جواز
الإفطار في شهر رمضان تقية :
صرّح المالكية
والحنفية والشافعية بعدم ترتب الآثم على من أفطر في شهر رمضان تقية بسبب ضغط
الإكراه عليه. الجامع لاَحكام القرآن 10:180. والمبسوط للسرخسي24 : 48 . وفتاوى
قاضيخان الفرغاني الحنفي 5 : 487 . والأشباه والنظائر للسيوطي الشافعي : 207 ـ 208
جوازها
في اليمين الكاذبة :
لو حلف
إنسان بالله كاذباً ، فلا كفارة عليه إن كان مكرهاً على اليمين ، وله ذلك تقية على
نفسه ، وتكون يمينه غير ملزمة عند مالك والشافعي وأبي ثور ، وأكثر العلماء على حد
تعبير النووي الشافعي ، واستدل بحديث : «ليس على مقهور يمين» . راحع : المجموع شرح
المهذب للنووي الشافعي 18 : 3، دار الفكر بيروت. وأحكام القرآن لمحمد بن ادريس
الشافعي 2 : 114 ـ 115 .
ونقل
القرطبي عن ابن الماجشون : إنّه لا فرق في ذلك بين ان تكون اليمين طاعة لله ، أو
معصية ، وإنه لا حنث عند الإكراه على اليمين الكاذبة. راجع : الجامع لاحكام القرآن
للقرطبي المالكي 10: 191.
وقد افتى
به غير واحد من فقهاء المالكية . راجع : أحكام القرآن لابن العربي المالكي 3 :
1177 و 1182 وتفسير ابن جزي المالكي
: 36.
وقد كان
مالك بن أنس يقول لاَهل المدينة في شأن بيعتهم المنصور العباسي : إنكم بايعتم
مكرهين ، وليس على مكره يمين . تقريرات الرافعي على حاشية ابن عابدين
لمحمد رشيد الرافعي 2 : 278 ، ط3، دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
يحثهم بهذه
الفتيا على الخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن للثورة على المنصور. راجع: رد
المحتار على الدر المختار لابن عابدين 5: ، ط2 ، دار احياء التراث العربي، بيروت
. شرح فتح الغدير لابن همام هذا هو محل اتفاق فقهاء الاَحناف . بدائع
الصنائع 7 : 175. راجع أيضا تفصيل فتاوى الحنفية بشأن موارد التقية في اليمين
الكاذبة وغيرها في مصادرهم التالية : البحر الرائق لابن نجيم 8 : 70 . تحفة الفقهاء
للسمرقندي 3 : 273 ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
جواز
التقية في حكم الأطعمة والاَشربة المحرمة
أفتى
القرطبي المالكي بجواز التقية في شرب الخمر . راجع : الجامع لاَحكام القرآن 10 :
180 .
وقالت
الحنفية : تجوز التقية إذا كان الاقدام على الفعل أولى من الترك، وقد تجب إذا صار
بالترك آثماً ، كما لو أُكرِه على أكل لحم الميتة أو أكل لحم الخنزير ، أو شرب
الخمرة . فتاوى قاضيخان 5 : 489 . واُنظر : أحكام القرآن للجصاص الحنفي 1 : 127.
والمبسوط للسرخسي 24 : 48. وبدائع الصنائع 7 : 7: 175. التفسير الكبير للفخر
الرازي الشافعي 20 : 12.
وقال ابن
حزم الظاهري : فمن أكره على شرب الخمر أو أكل الخنزير أو الميتة أو الدم أو بعض
المحرمات ، أو أكل مال مسلم أو ذمي ، فمباح له أن يأكل ويشرب ولا شيء عليه لاَحد
ولا ضمان . المحلّى لابن حزم 8 : 330 مسألة : 1404 .
جوازها
في شهادة الزور :
صرّح
السيوطي الشافعي بجواز شهادة الزور عند الإكراه عليها ، فيما لو كانت تلك الشهادة
في أتلاف الأموال . الأشباه والنظائر
للسيوطي 207-208.
ملاحظة : لقد تركنا الكثير جداً من المسائل التي جوّز فيها فقهاء
المسلمين التقية بغية للاختصار ، كتجويزهم التقية مثلاً في : الصدقة ، والاقرار ،
والنكاح ، والاجارة ، والمباراة ، والكفالة ، والشفقة ، والعهود ، والتدبير ،
والرجعة ـ بعد الطلاق ـ والظهار ، والنذر ، والايلاء ، والسرقة ، وغيرها من الفروع
الشرعية . راجع في ذلك بدائع الصنائع 7 : 175 ـ 191 . والمحلّى 8 : 331
ـ 335 مسألة : 1406 وغيرهما مما ذكرناه من مصادر الفقه .
ولقد
أجازت شريعة الإسلام للمسلمين الخداع والكذب في أحوال وحالات كثيرة مختلفة عما
ذكرنا. حالات وقع فيها الإكراه وأخرى لم يقع الإكراه فيها . من بين تلك الحالات
حالة الحرب . قال رسول الله: «الحرب خُدْعة» متفق عليه.
قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، وكيف أمكن
الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل) صيح مسلم بشرح النووي 12/45.
وقال ابن حجر: وأصل الخداع إظهار أمر وإضمار خلافه. وفيه التحريض على أخذ
الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وأن من لم يَتَيَقَّظ لذلك لم يأمن أن
ينعكس عليه.
قال ابن المنير: معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في
مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظَّفَر مع
المخادعة بغير خطر) فتح الباري 6/58.
قال النووي: صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء أحدها في الحرب، قال
الطبري إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب فإنه لا يحل، هذا
كلامه، والظاهر، إباحة حقيقة نفس الكذب لكن الاقتصار على التعريض أفضل والله أعلم)
صحيح مسلم بشرح النووي 12/45.
عن أمّ كلثوم بنت عقبة قالت: ”لم أسمع رسول الله يرخّص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب والإصلاح
بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. رواه أحمد ومسلم وأبو داود،
وروى الترمذي مثله عن أسماء بنت يزيد.
وقال ابن حجر: قال النووي: الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة لكن
التعريض أولى.
وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين
لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا)
فتح باري 6/159.
وأما الكذب على العدو في غير حالة الحرب فيجوز لأسباب منها ما فيه مصلحة
دينية أو مصلحة دنيوية للمؤمن أو تخلص من أذى الكافرين ودليله: قصة الحجاج بن
عِلاَط حين استأذن النبي أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة
وأَذِنَ له النبي . فتح الباري 6/159. والبداية والنهاية لابن كثير 4/215 .
قال ابن حجر في شرحه: وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب
لتحمل أخف الضررين دفعا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات فلا يريد أنها تُذَم،
فإن الكذب وإن كان قبيحا مُخِلاَّ لكنّه قد يحسن في مواضع ) فتح الباري 6/392.
الخلاصة
: يجوز للمسلم الكذب على الكافر لأجل مصلحة دينية أو دنيوية. عامة كانت أم خاصة في
حالة الحرب وفي غير حالة الحرب.
من
بين تلك الحالات التي أبيح فيها للمسلم ان يكذب :
إذا
كان المسلمون أفراد أو مجموعات في حالة ضعف ، ناتجة عن قلة في العدد والعتاد، أو
ضعف في القوة والإمكانيات ، أو ضعف ناتج عن غربة وابتعاد عن دار الإسلام ، بحسب المصطلح الإسلامي .
رخص لهم بالكذب.
يقول
ابن تيمية في الصارم والمسلول في شاتم الرسول ص 223:
{ ان كان المؤمن بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فالعمل بآية
الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، واما
اهل القوة فإنما يعملون بآية
قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب}.
راجع الصارم والمسلول في شاتم الرسول 223. وله مثله في مجموع الفتاوى) 19/ 224 ــ
225، ومنهاج السنة) 5/ 121 ــ 12.
لقد
بنى ابن تيمية رأيه هذا على الواقع القرآني:( لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ
الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً. سورة ال عمران والآية 28 .
قال الرازي في تفسيره لآية سورة ال عمران 28 :{الا ان تتقوا منهم تقاة} :
ان التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، يخاف منهم على نفسه، وماله
فيداريهم باللسان ، بان لا يظهر العداوة باللسان بل يجوز أيضا ان يظهر الكلام
الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط ان يضمر خلافه وان يعرض في كل ما يقول ، فإن
للتقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال
القلوب . راجع تفسير الرازي 8/13 .
وقال الزمخشري في تفسيره لآية سورة ال عمران 28: { الا ان تتقوا منهم تقاة}
: رخص لهم في موالاتهم إذا أخافوهم، والمراد بتلك المولاة محالفة ، ومعاشرة
ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة، والبغضاء، وانتظار زوال المانع من قصر العصا، وإظهار الطرية. راجع تفسير
الكشاف 1/422 وتفسير غريب القران للنيسابوري بهامش تفسير الطبري 1/277
وقال النسفي في تفسيره لآية{
ان تتقوا منهم تقاة} الا ان تخافون جهتهم أمرا يحب اتقاؤه . اي ان يكون للكافر
عليك سلطان فتخافه على نفسك ، ومالك فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة، وإبطان
المعاداة. راجع تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن 1/277.
يقول الشيخ
المراغي : «ويدخل في التقية مداراة الكفرة ، والظلمة ، والفسقة ، وإلانة الكلام
لهم ، والتبسم في وجوههم ، وبذل المال لهم لكف أذاهم ، وصيانة العرض منهم ، ولا يُعد
هذا من الموالاة المنهي عنها ، بل هو مشروع» . تفسير المراغي 3 : 136 ـ 137 .
إذن يتبين مما
ذكر ان شريعة الإسلام قد أباحت
للمسلمين الكذب في
حالات
كثيرة نذكر منها : إذا كان المؤمن قائما بين الكفار(اي في بلاد الغربة).
فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان.
أن يكون الكفار
عليهم ظاهرين, فيظهرون لهم اللطف والتبسم في وجوههم ، وبذل المال لهم .
إذا كان الرجل في
قوم كفار ، يخاف منهم على نفسه، وماله فيداريهم باللسان ، بان لا يظهر العداوة
باللسان بل يجوز أيضا ان يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط ان يضمر
خلافه.
إذا كان المسلمون
في حالة ضعف: رخص لهم في موالاتهم - اي في موالاة الأعداء- إذا أخافوهم، والمراد
بتلك المولاة محالفة ، ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة، والبغضاء، وانتظار
زوال المانع من قصر العصا، وإظهار
الطرية. وان يظهروا الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك .
سؤال
: هل إظهار الكلام
الموهم للمحبة والموالاة، والقلب مطمئن بالعداوة، والبغضاء يعتبر صدق مع النفس
ام تراه من مكارم الأخلاق والسلوك
المثالي ؟ . أليس هذا هو النفاق بعينه ؟ .
لقد ربط
فقهاء المسلمين بشكل أو بآخر ما بين التقية وبين الإكراه .
رغم ان
الفرق ما بين آية الإكراه (سورة النحل
106. ) وبين آية التقية (ال عمران 28) واضح .
المساحة
الزمنية والمكانية للإكراه أضيق من المساحة التي يُعمل فيها بالتقية؛ فالإكراه
تكون صورته: حمل المرء بالقوة في موقف معين، وساعة معينة على فعل أو قول شيء معين
هو لا يرضاه .. فإذا انتهى هذا الموقف ( الظرف) انتهت حالة الإكراه الذي أظهر
المكره من خلالها الكفر أو ما فيه
مخالفة شرعية .
بينما
التقية: فساحتها الزمانية والمكانية أوسع فهي تشمل جميع المساحة الزمانية التي
يقيمها المسلم مضطراً في دار الكفر والحرب بحسب المصطلح الإسلامي ، وهو يلجأ إليها
كلما اضطرته الظروف إلى ذلك حتى يدفع شر القوم عنه .
وقد تختلف
التقية عن الإكراه كذلك أن الإكراه يكون مباشراً ونتائجه فورية .
بينما التقية
قد يكون عنصر الإكراه فيها غير مباشر، - او غير واقع أصلا - وبالتالي قد تأتي
نتائجه متأخرة عن الحدث إلى حين.
من هنا نقول ان
التقية لم تشرع فقط من اجل دفع الأذى عن المؤمنين والحذر من الضرر والتوقي منه في حالات
الإكراه الواقع عليهم . كما يدعي علماء الإسلام ومفسري القران .
بل شرعت
التقية أيضا في حالات كثيرة لم يقع فيها إكراه. بل كان الغرض منها خداع الآخرين من
اجل تحقيق مصلحة قد تكون دينية وقد تكون شخصيا لا علاقة لها بالدين .
لنأخذ
مسألة ( آذى الرسول ) كمثال نبين من
خلاله حقيقة ما نقول.
اعلم هداك الله وكفاك شر
المنافقين . أن نصوص الكتاب والسنة، وكذلك أقوال علماء الأمة قد دلت دلالة صريحة
قطعية لا تحتمل صرفاً ولا تأويلاً على أن من آذى الرسول كافر مرتد، خارج من الملة الإسلامية، تجرى عليه جميع
الأحكام المتعلقة بالردة ويقتل ولا تقبل توبة، مسلما كان ام كافر . هذا ما اجمع
عليه علماء الإسلام .
ملاحظة : المقصود
بالأذى هنا هو : كل من عاب الرسول او انتقضه أو انتقص من قدره بأي شكل من الأشكال،
فجميع ما ذكرنا يدرج تحت باب ( آذى للرسول) وإليكم الأدلة على ذلك :
جاء في
سورة التوبة : ) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا
فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ
لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (التوبة:12.
فسمى الطاعن في الدين،
إماماً في الكفر، وهو زائد عن الكفر المجرد .. فدل أن الطعن بالدين كفر مغلظ.
قال القرطبي في التفسير:
استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين؛ إذ هو كافر.
قال ابن كثير في التفسير
2/352: ومن هنا أخذ قتل من سب الرسول ، أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بنقص.
ومن الطعن ما يكون خفياً،
وبالتلميح دون التصريح، لكن له نفس حكم الطعن الصريح.
وقال القرطبي في
التفسير:8/206: قال القشيري: كلمة الكفر سب النبي والطعن في الإسلام،) وكفروا بعد إسلامهم( أي بعد الحكم بإسلامهم.
قال ابن القاسم :(من سبه (النبي)
أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل كالزنديق) ،
يقول
القاضي عياض في الشفاء بتعريف حقوق المصطفى 2/473-474: اعلم ان جميع من سب النبي
أو عابة أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله آو عرض به أو
شبهه بشيء على طريق السب أو الإزراء عليه، أو التصغير لشانه، أو الغض منه والعيب
له فهو سب له، وكذلك من لعنه أو دعا عليه ، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا
يليق بمنصبه على طريق الذم، بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمزه ببعض
العوارض البشرية الجائزة والمعهودة
لديه. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة إلى هلم جر.
وهذا ما اجمع عليه علماء المسلمين وأصحاب المذاهب الأربعة .
وقال ابو
بكر بن المنذر: اجمع عوام اهل العلم على ان من سب النبي يقتل. ولا نعلم خلافاً في استباحة دمه بين
علماء الأمصار وأئمة الآمة. راجع :الشفاء للقاضي عياض 2/474.
من يعيب نبينا ... أو يلعنه أو
يسبه أو يستخف أو يستهزئ به أو بشيء من أفعاله كلحس الأصابع، أو يلحق به نقصاً في
نفسه أو نسبه أو دينه أو فعله أو يعرض بذلك، أو يشبهه بشيء على طريق الإزراء أو
التصغير لشأنه أو لغض منه، أو تمني له مضرة أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على
طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو
غيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوار في البشرية
الجائزة والمعهودة لديه، فيكفر بواحد مما ذكر إجماعاً، فيقتل ولا تقبل توبته عند
أكثر العلماء، وقد قتل خالد بن الوليد من قال له"عند صاحبكم" - المقصود
بصاحبكم النبي - وعد هذه الكلمة تنقيصاً له . راجع : الزواجر عن
اقتراف الكبائر " لابن
الهيتمي 1/29-30 .