قضايا و اراء
44218 ‏السنة 132-العدد 2007 ديسمبر 30 ‏21 من ذى الحجة 1428 هـ الأحد
pope shenouda III
البطالة نتائجها‏..‏ وعلاجها
بقلم: البابا شنودة الثالث

إن مشكلة البطالة هي من أخطر المشكلات التي تعاني منها بلادنا‏، ويقاسي بسببها شبابنا‏، إذ يبذل الشاب قصاري جهده في الدراسة‏، بما تحمل من تعب ومن نفقات مالية‏، ثم يجد نفسه بعد التخرج عاطلا لا عمل له‏، ولايزال يعتمد في مصروفاته الخاصة علي والديه‏!!‏ فيصاب بالإحباط‏، وتتعب نفسيته ونفسية أسرته معه‏.‏

**‏ ونتيجة لهذه البطالة‏، يتأخر سن الزواج بالنسبة إلي الشباب‏، فكيف يتزوج إنسان ليس له إيراد أو مصدر رزق ينفق منه علي أسرة؟‏..‏ كيف يقتني له سكنا وما يحتاجه المسكن من مفروشات؟‏!‏ وكيف يدفع نفقات الزواج؟‏..‏ وإن كان الشاب يمكنه أن يحتمل التأخر في سن زواجه‏، فإن الفتاة إن تأخرت بها السن وكبرت‏، يقل الإقبال عليها‏.‏

**‏ وبتأخر سن الزواج‏، يتعرض المجتمع إلي مشكلة أخري أشد خطورة‏، وهي الفساد الخلقي‏، وهذا ما رأيناه قد انتشر بشكل مقلق‏، وأحيانا يحاول الفساد الخلقي أن يتخفي وراء مسميات زائفة مثل الزواج العرفي‏، وهو لون من الزنا‏، في علاقات بغير بيت‏، ولا صلة شرعية‏، ولا مسئولية عما قد ينتجه من نسل أو من عمليات إجهاض‏..‏ إلي جوار أنواع أخري من مسميات الزواج لتغطية ذلك الضياع‏.‏

**‏ ومن نتائج البطالة أيضا وما تحمل من إحباط‏، لجوء بعض الشباب إلي المخدرات بأنواعها‏، أو إلي وسائل من اللهو الرخيص‏، هروبا أو محاولات هروب‏، مما هم فيه من ضيق‏، وفي الوقت نفسه ـ إذ لا يجدون المال الذي يلزم للإنفاق علي المخدرات واللهو‏، يلجأون إلي أساليب خاطئة في الحصول علي هذا المال‏.‏

**‏ وطبعا قد يصحب كل هذا شعور من السخط علي المجتمع وعلي الدولة التي تتركهم في هذا الضياع بلا حلول‏..‏ هذا السخط قد يكون علي الأقل عند بعض من الشباب‏.‏ وهذا كله قد تستغله بعض الهيئات التي تقف ضد الدولة والنظام الحاكم‏، لكي تثير المشاعر‏، وتحاول جاهدة أن تعبئ نفوس الشباب في اتجاه معارض‏.‏

**‏ ولعله من نتائج البطالة أيضا تفكير كثير من الشباب في الهجرة بحثا وراء الرزق‏، دون أن يدرسوا ما ينتظرهم من تلك الهجرة‏، وأمام هذا التفكير‏، ظهر بعض سماسرة الهجرة غير الشرعية‏، الذين قادوا الشباب في رحلات غير مضمونة‏، كان من نتائجها غرق الكثيرين دون أن يصلوا إلي غايتهم‏، وتعرض بعض الشباب إلي عمليات نصب باسم الهجرة‏!‏

**‏ وربما بسبب البطالة‏، قد ظهر سؤال علي لسان الكثيرين‏:‏ هل التعليم هو لمجرد الثقافة فقط‏، و لا علاقة له بمصادر الرزق؟‏!‏ وهل الثقافة وحدها تكفي بدون رزق؟‏!‏ وإن كان لابد عمليا من ارتباط الأمرين معا‏، فكيف يمكن تفعيل الثقافة لتكون أيضا مصدرا للرزق‏، كما هي مصدر للمعرفة؟

**‏ أما عن علاج مشكلة البطالة‏، فإنه يلزم لذلك مؤتمر أو اجتماع يضم جميع التخصصات من رجال الدولة‏، ورجال العلم والاجتماع والاقتصاد والعمل‏، ومن كبار المفكرين لكي يدرسوا كيف يمكن أن يوجدوا عملا لملايين العاطلين؟‏..‏ وما هي المشروعات النافعة؟‏..‏ وماذا تكون مصادر التمويل؟

**‏ أما نحن فنقدم بعض اقتراحات لتكون موضع دراسة‏:‏

أولها‏:‏ أهمية التدريب المهني في مناهج التعليم الصناعي الثانوي وفي الكليات الجامعية التي لها علاقة بالصناعة والعمل‏، علي أن يكون التدريب لمهن يحتاج إليها المجتمع‏، وتكون لصناعات تحتاج إليها السوق‏، ذلك لأن مجرد التعليم النظري لا يكفي‏.‏

ونلاحظ أن بعض الشركات والمصانع تقوم أحيانا بتدريب أشخاص ليتولوا العمل مباشرة في تلك المصانع عند استكمال تدريبهم‏.‏

**‏ نقترح أيضا أن تهتم الدولة بإيجاد مشروعات صغيرة للشباب تمولها الدولة‏، بحيث لا تمنحهم المال لذلك‏، إنما تقدم لهم المعدات والآلات وتدربهم علي استخدامها‏، علي أن تكون تلك المشروعات الصغيرة لازمة للمجتمع‏، وإنتاجها يجد تسويقا متاحا‏، وهذا الأمر يلزمه دراسة السوق‏، وإنتاج ما يلزم السوق‏.‏

**‏ تعويد شبابنا أن يعملوا ليجدوا رزقا‏، ولا يشتهوا الوظائف الجاهزة والجلوس علي المكاتب‏، وإقناعهم بأن رجال الأعمال يحصلون علي رزق أوفر من الموظفين محدودي الدخل‏.‏

**‏ كذلك يلزم أيضا أن تكون الدولة علاقات مع البلاد المحتاجة إلي عمالة‏، بحيث نتفق معهم علي تقديم ما يحتاجون إليه من عمال يتم إعدادهم لهم ليقوموا بالغرض الذي سيقومون به هناك‏.‏ وهنا تحتاج بلادنا إلي إعداد العمال المؤهلين لعصر قد انتشرت فيه التكنولوجيا والآلات الحديثة‏، ومثل هؤلاء العمال هم الذين يمكنهم العمل مع المستثمرين الذين يحضرون إلي بلادنا‏، كما يمكنهم أيضا السفر للعمل في الخارج‏.‏

**‏ نقترح أيضا تكوين مجموعات كبيرة للعمل في مجال الأسماك التي توجد بكثرة وراء السد العالي‏، من جهة صيدها وإرسالها في ثلاجات ـ عبر النيل ـ إلي باقي المحافظات‏، أو تعليبها لكي تصدر إلي الخارج‏، مع ما تحتاجه عمليات التعليب من عمالة‏.‏

وهذا طبعا يناسبه أن نعود شبابنا علي عدم التمركز حول المدن والعواصم‏، ولا مانع من السفر إلي أماكن بعيدة كالسد العالي‏.‏

**‏ محاولة إيجاد عمل لأطفال الشوارع‏، إنقاذا لهم من الضياع‏، والاستفادة بهم فيما يناسبهم من عمل‏.‏

كذلك يمكن إيجاد أعمال لسكان الريف وللمرأة الريفية‏، مثل المناحل‏، وتربية الدواجن والأغنام والبهائم‏، وجميع أنواع الأغذية وصناعات الألبان‏، والتدبير المنزلي‏، وعرض كل ذلك أيضا لتسويقه‏، مع تزويد النساء ببعض ماكينات الخياطة لصناعة ما يلزمهن من ملابس وما يلزم غيرهن‏.‏

وللموضوع بقية
الأهرام 29/12/2007

www.amcoptic.com