|
قضايا و اراء
44086 السنة 132-العدد 2007 اغسطس 20 7 من شعبان
1428 هـ الأثنين
زعلول النجار ، وحاجة
ملحة لفحص قواه العقلية،
برغم أن له فضل كثير لحالات الإرتداد عن الإسلام فى مصر، بسبب كتاباته عن
إعجاز القرآن
فهو
مازال يعتقد أن القرآن دين سماوى ، وأنه موحى من الله، برغم تعدد
الأسباب التى تلغى هذا الإعتقاد
مازال يتلسن بوقاحة على الأديان التى هى بالفعل سماوية، ويزعم بأنها
مُحرفة
هذه العقلية فى حاجة فعلاً لفحصها بواسطة أطباء متخصصون فى التخلف
العقلى
ترى، هل
تتفق مع أستاذك فيما ذهب؟
الحقيقة المطلقة وحوار الأديان
بقلم : د. محمود حمدي زقزوق
من أسرار القرآن
بقلم: د. زعلـول النجـار
246ـ ب أو من ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين* * الزخرف:18*
هذه الاية
القرآنية الكريمة جاءت في أواخر الخمس الأول من سورة الزخرف، وهي
سورة مكية، وآياتها(89) بعد البسملة وقد سميت بهذا الاسم لتأكيدها
علي حقيقة أن متاع الدنيا قليل، وزخارفها زائلة ولذلك فلولا أن يفتن
الناس إذا رأوا الكفار والمشركين في سعة من الرزق، وبهرجة من زينة
الحياة الدنيا لجعل الله ـ تعالي ـ لمن يكفر به بيوتا سقوفها من فضة،
ولها من الدرج أو المصاعد ماعليها يرتقون، ولها العديد من الأبواب
والغرف المليئة بالسرر التي عليها يتكئون، وبالزخارف وأنواع الزينة
المختلفة مما يسر العين ويبهج القلب لهوان ذلك كله علي الله، أما
نعيم الآخرة الأبدي فقد جعله الله تعالي لعباده المتقين.
ويدور المحور الرئيسي لسورة الزخرف حول عدد من ركائز العقيدة الاسلامية
ـ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية. وقد سبق لنا استعراض هذه السورة
المباركة، ونوجز هنا ركائز العقيدة والإشارات العلمية فيها، مع شرح
ومضة الإعجاز العلمي في قول ربنا ـ تبارك وتعالي:
أو من ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين
(الزخرف:18)
من ركائز العقيدة في سورة الزخرف
(1) الإيمان بالله ـ تعالي ـ ربا واحدا أحدا، فردا صمدا، بغير
شريك، ولا شبيه، ولا منازع، ولا صاحبة، ولا ولد، وتنزيهه ـ
سبحانه وتعالي ـ عن جميع صفات خلقه، وعن كل وصف لايليق بجلاله
(2) التصديق بملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبكل
من البعث، والحشر، والحساب، والجزاء إما بالخلود في الجنة أو في
النار، والتصديق ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله وسلم
وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ وبأنه ليس من بعده من نبي ولا من رسول،
وأن انبياء الله ورسله قد بعثوا جميعا بالإسلام القائم علي التوحيد
الخالص لله سبحانه وتعالي.
(3) اليقين بأن القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية نزولا، وأنه
الكتاب السماوي الوحيد المحفوظ بين أيدي الناس اليوم في نفس لغة وحيه(
اللغة العربية) محفوظا بحفظ الله حرفا حرفا، وكلمة كلمة، وآية
آية، وسورة سورة، وعلي ذلك فلا يمكن مقارنة أي كتاب آخر به في
كماله وتمامه وإعجازه في كل أمر من أموره، ومن هنا كانت ضرورة التمسك
به، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، والتبليغ عنه، والتعريف به
لجميع اهل الأرض.
(4) التسليم بكل ماجاء بالقرآن الكريم، ومن ذلك الاخبار عما انزل
الله ـ تعالي ــ من عقاب بالكفار والمشركين وبالطغاة المتجبرين علي
الخلق عبر مسيرة التاريخ، وأنه عقاب في الدنيا سابق لعقاب الآخرة
لعله يكون رادعا للناس.
(5) الإيمان بأن الشيطان للانسان عدو مبين، وأن الحماية من مكائده
تتركز في المداومة علي ذكر الله ـ تعالي ـ وتلاوة القرآن الكريم لأن من
يغفل عن ذلك تفترسه الشياطين، ويتيح الله ـ تعالي شأنه ـ له شيطانا
أي يتركه نهبا لأحد الشياطين يتسلط عليه حتي يصبح قرينا ملازما له،
يدوام علي إضلاله وغوايته، وذلك لأنه لايهدي الناس إلا رب العالمين
(6) التسليم بالفروق الفطرية بين الذكر والأنثي مع الايمان بمساواتهما
في الحقوق والواجبات.
(7) اليقين بأن الكون مليء بالغيوب المرحلية والمطلقة، وبأنه لايجوز
للمسلم الخوض في أمر من أمور الغيب المطلق بغير علم من الله ـ تعالي ـ
أو من خاتم انبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ــ ومن هذه الغيوب
المطلقة أمر الساعة التي لن تأتي الناس الا بغتة بأمر من الله ـ تعالي.
(8) التصديق بمسئولية كل إنسان فرد عن نفسه، وعلي ذلك فإن الاتباع
الأعمي للآباء في قضية الدين إذا كانوا علي ضلال، لن يكون عذرا
مقبولا عند رب العالمين ساعة الحساب، وخير دليل علي ذلك موقف نبي
الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ من أبيه وقومه في قضية الاعتقاد.
(9) التسليم بأن متاع الدنيا قليل، ولذلك يعطيه الله ـ تعالي ـ لمن
يحب ولمن لايحب، أما متاع الآخرة فلا يعطيه الله ـ سبحانه وتعالي ـ
إلا لمن يحب من عباده المتقين، ومن هنا فلا يجوز أن يفتن مسلم بما
يري من متاع الكفار والمشركين في الحياة الدنيا.
(10) الإيمان بأن الله ـ تعالي ـ لايخفي عليه شيء في الأرض ولا في
السماء، وعلي الرغم من ذلك فإن الحفظة من ملائكته الكرام البررة
مكلفون بتدوين افعال الناس وأقوالهم حتي تكون حجة عليهم.
(11) التصديق بأنه لايملك الشفاعة في يوم القيامة إلا من رضي الله ـ
تعالي ـ له ذلك ممن يشاء من عباده المؤمنين
(12) التسليم بحرية الإنسان في اختيار الدين الذي يتعبد الله ـ تعالي
ـ به، ومن هنا فإن علي المسلمين الدعوة الي دين الله بالحكمة
والموعظة الحسنة، فإن خالفهم الناس تركوهم وشأنهم إلي مصيرهم المحتوم
الذي أخبر به رب العالمين.
من الاشارات الكونية في سورة الزخرف
(1) التأكيد علي حقيقة الخلق، وعلي أن الله ـ تعالي ـ هو خالق كل
شيء، والمعارف المكتسبة بدأت في تأكيد ذلك بعد ادعاءات كاذبة بأزلية
الكون وانتفاء الخلق سادت كل الحضارات المادية السابقة والحاضرة
(2) الإشارة إلي تمهيد سطح الأرض، وشق الفجاج والسبل فيها،
والعلوم المكتسبة تؤكد بدء الأرض بتضاريس معقدة للغاية، ثم سخر الله
ـ تعالي ـ عوامل التعرية المختلفة من الرياح والمياه الجارية، وأنهار
الجليد( المجالد)، والجاذبية وغيرها في تمهيد سطح الأرض وجعلها
صالحة للعمران.
(3) وصف دورة الماء حول الأرض، وإحياء النبات بهذا الماء، وتشبيه
عملية بعث الأموات من القبور بإخراج النبات من الأرض.
(4) التأكيد علي أن الله ـ تعالي ـ خلق كل شيء في زوجية كاملة حتي
يبقي التوحيد المطلق خالصا لله ـ سبحانه وتعالي ـ فوق جميع خلقه.
(5) الاشارة إلي ما أودع الله ـ تعالي ـ في ماء الأرض من الصفات
الفطرية مايمكنه من حمل الفلك( أي السفن بمختلف اشكالها وأحجامها
وأوزانها) علي ظهره. وتشبيه ذلك بما جعل الله ـ سبحانه وتعالي ـ من
الصفات الفطرية في الأنعام مما جعلها مسخرة لركوب الإنسان علي ظهورها،
وهذا كله من نعم الله علي العباد.
(6) وصف الأنوثة بحب الزينة، وبالقصور في البيان والجدال وإقامة
الحجة عند الخصام، وهو ما أثبتته كل دراسات علم النفس.
(7) التأكيد علي هوان الدنيا ومتعها الزائلة علي الله، ولذلك يعطيها
لمن يحب ولمن لايحب، ولايعطي نعيم الآخرة إلا لمن يحب وازدهار الحياة
في ديار الكفار والمشركين خير دليل علي ذلك.
(8) الدقة العلمية الشديدة في تعبير المشرقين عن النهايتين الطرفيتين
للكرة الأرضية عند خط الاستواء لأن كل نقطة منهما هي مشرق ومغرب في آن
واحد..
(9) التأكيد علي حتمية البعث والحساب والجزاء، وكل من المعارف
المكتسبة والمنطق السوي يؤكد ذلك.
(10) وصف نهاية فرعون الخروج وملئه بالإغراق في اليم، وترك جثث
بعضهم وقصصهم سلفا ومثلا للآخرين وهو ما أثبتته الدراسات الأثرية
والتاريخية.
(11) التأكيد علي أن الآخرة لا تأتي إلا فجأة، ومعظم الشواهد والسنن
الملاحظة علي الموت في الكون بطيئة جدا، مما يؤكد علي أن الآخرة لن
تتم بأي من هذه السنن، وإنما بأمر من الله ـ تعالي ـ بـ: كن فيكون.
(12) تنزيه الله ـ تعالي ـ الذي خلق السماوات والأرض عن جميع صفات
خلقه، وعن كل وصف لايليق بجلاله، ومن ذلك إدعاء الولد له ـ تعالي
الله عن ذلك علوا كبيرا ـ والمنطق السوي ينزه الله ـ تعالي ـ عن الشريك،
والشبيه، والمنازع، والصاحبة، والولد وذلك لأنه ـ تعالي ـ هو رب
كل شيء ومليكه، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم
العليم
(13) ذكر البينية الفاصلة للأرض عن السموات، والعلوم المكتسبة تشير
إلي أن الغلاف الغازي للأرض هو خليط من مادتي الأرض والسماء، وذكر
البينية يشير إلي مركزية الأرض من الكون، وهو مالا تستطيع العلوم
المكتسبة الوصول إليه.
(14) التأكيد علي أن علم الساعة من الغيوب المطلقة التي لايعلمها إلا
الله ـ تعالي ـ، وأن الرجوع الي الله من الأمور الحتمية التي يقبلها
كل منطق سوي.
من الدلالات العلمية للآية الكريمة
هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في الرد علي مشركي الجاهلية الذين
انحطت أفهامهم، وثقافتهم، وانحرفت عقائدهم وتصوراتهم الي حد
التطاول علي الذات الإلهية بأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان، ومن
ذلك ادعاء نسبة الولد إليه، والله ـ تعالي ـ منزه تنزيها كاملا عن
الصاحبة والولد، وعن غير ذلك من صفات خلقه، وعن كل وصف لايليق
بجلاله.
ولكن الشيطان يسول دوما للإنسان حب الإساءة إلي الذات الإلهية ليلقيه
خالدا في نار جهنم، ومن هذه الإساءات تلك الخرافة التي تبناها نفر من
مشركي الجاهلية، والتي صور لهم الشيطان فيها حب الادعاء الباطل بأن
الله ـ تعالي ـ قد اتخذ من الجن زوجة ـ تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا
ـ، وأن من نتاج هذا الزواج المزعوم كانت الملائكة الذين وصفوا في
خيال المشركين المريض بأنهم إناث ـ مع أنهم لم يشهدوا خلق الملائكة،
ولايعرفون شيئا عنهم، فضلا عن أنهم كانوا يكرهون مولد الإناث لهم،
وكانوا يئدونهن أحياء ـ ويبدو أن ذلك جاء إمعانا في كفرهم وشركهم،
فعبدوا الملائكة من دون الله، وادعوا كذبا أنهم ماعبدوهم إلا بمشيئة
الله ـ تعالي ـ وأنه لو شاء ماعبدوهم، وهذه اسطورة زينها الشيطان في
عقول كفار ومشركي الجاهلية، ولايزال يزين أمثالها في عقول الملايين
من أهل الأرض اليوم، وسيظل هذا اللعين يعبث بعقول الملايين منهم إلي
يوم الدين، في غيبة سيادة العقيدة الصحيحة والدين الحق، علي الرغم
من أن أية مناقشة منطقية لمثل هذه الأساطير تثبت بطلانها لكل ذي عقل
سليم.
والآية الكريمة تأتي في مقام تصحيح العقيدة، وتبقي الإشارة فيها إلي
الإناث بوصف:.. من ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين من
المعجزات العلمية في القرآن الكريم للأسباب التالية:
أولا: في قوله ـ تعالي ـ: أو من ينشؤا في الحلية..:
ثبت علميا أن جميع الإناث ينشأن في حب مختلف صور التنعيم من الحلي
والزينة والثياب الأنيقة ذات الألوان الزاهية، والروائح الطيبة،
والأصوات الجميلة، وذلك يحدث منذ بداية إدراكهن إلي آخر أعمارهن،
لأنه شأن غرسه الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ في جبلة كل أنثي من الإنسان،
والحيوان، والنبات، كي يكون في زينتها مايجذب اليها قرينها حتي يتم
بينهما التزاوج، وتستمر الحياة إلي أن يشاء الله.
والله ـ سبحانه وتعالي ـ خلق كل شيء في زوجية واضحة حتي يبقي متفردا
بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه. ولكي يجمع بين كل زوجين من
مخلوقاته اعطي كل طرف منهما من مجموع الصفات مايجتذب به الطرف الآخر،
فأعطي للإناث من حب التجمل والتزين، والتحلي بكل حلية مايرغب فيهن
الذكور الذين اعطاهم من القوة البدنية والعقلية مايرغب فيهم الإناث،
ولذلك أمر الله ـ تعالي ـ الإناث بعدم إبداء زينتهن الا ما ظهر منها،
إلا لبعولتهن أو محارمهن أو لغيرهن من النساء المسلمات او للطفل الذين
لم يظهروا علي عورات النساء، وألا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من
زينتهن كما جاء في الآية(31) من سورة النور.
وهذا يرد دعاوي المتبرجات من بنات ونساء المسلمين، والمدافعات
بالباطل عن التبرج منهن ردا كاملا لا حجة لهم فيه ابدا.
ثانيا: في قوله ـ تعالي ـ:.. وهو في الخصام غير مبين:
ثبت علميا كذلك أن هناك فروقا نفسية كبيرة بين كل من الأنثي والذكر من
بني آدم، فالتكوين النفسي للأنثي يميل الي تقديم العاطفة علي العقل،
وبالتميز بالحساسية المفرطة، ورقة المشاعر، واتساع الخيال، وقوة
الحدس، والبداهة الفطرية، وحب التملك، والغيرة الشديدة وغلبة
الخوف، والوهم، والتشاؤم، وعدم القدرة علي الانسلاخ عن الذات
والصفات الشخصية. فإذا اضيف ذلك إلي ضعف البنية الجسدية مقارنة
بالرجل وإلي غير ذلك من صفات الأنوثة، فإننا نجد الأنثي في مواقف
الشدة والخصومة أو الخطر تعجز عن البيان، ويتلعثم منها اللسان،
وترتبك ارتباكا شديدا حتي ولو كانت من الفصيحات المبدعات، ولذلك
وصفها الله ـ تعالي ـ هذا الوصف المعجز بقوله العزيز:.. وهو في
الخصام غير مبين.
وهذا مما يثبت اعجاز القرآن الكريم في كل أمر من أموره، وفي كل آية
من آياته، ونص من نصوصه حتي لو كان ذلك واردا في تصحيح أمر من أمور
العقيدة، أو في مقام التشبيه، أو ضرب المثل، أو إسداء التوجيه
والنصح، لأنه الصورة الوحيدة من كلام رب العالمين المحفوظة بين أيدي
الناس اليوم وعلي مدي أربعة عشر قرنا في نفس لغة وحيها ـ اللغة العربية
ـ، وكلام الله ـ تعالي ـ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،
فالحمد لله علي نعمة القرآن، والحمد لله علي نعمة الإسلام، والحمد
لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه
ومن تبع هداه ودعا بدعوته الي يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله
رب العالمين.
----------------------------------------------------------------------------------------
قضايا و اراء
44086 السنة 132-العدد 2007 اغسطس 20 7 من شعبان 1428 هـ الأثنين
الحقيقة المطلقة وحوار الأديان
بقلم : د. محمود حمدي زقزوق
منذ حوالي ثلاث
سنوات دعيت لإلقاء محاضرة حول الإسلام والمسيحية في جامعة فيينا
بالنمسا. وقبل المحاضرة كان لي لقاء مع السادة أعضاء هيئة التدريس
بكلية اللاهوت. وقد سألني عميد الكلية حينذاك عما يعد في نظري قضية
مهمة ينبغي أن يهتم بدراستها أساتذة الكلية ؟ وكانت إجابتي عن ذلك
تتلخص في ضرورة بحث قضية موقف الاديان من امتلاك الحقيقة المطلقة.
ومن المعروف أن أتباع كل دين من الأديان يعتقدون أن دينهم وحده دون
غيره الذي يمتلك الحقيقة المطلقة. والنتيجة المنطقية المترتبة علي
ذلك أن ماعداه من أديان يعد خارجا عن نطاق هذه الدائرة، وببساطة يعد
دينا غير صحيح.
ولا يقتصر الأمر في الواقع علي الأديان بل يتعداه إلي المذاهب المختلفة
في الدين الواحد. وأقرب مثال علي ذلك ما أعلنه الفاتيكان منذ فترة
قصيرة من أن الكاثوليكية وحدها هي الممثلة الحقيقية لرسالة السيد
المسيح. والشيء نفسه نجده بين بعض المذاهب السنية والشيعية المتطرفة
في تاريخنا الإسلامي التي كانت تتبادل التفكير والخروج من دائرة
الإسلام.
ومن الواضح أن القضية شائكة ومعقدة وتتسم بالحساسية المفرطة. ولكن
البحث فيها ضروري بالنظر إلي جهود الحوار بين الأديان والمذاهب،
والتعاون فيما بينها. ونعتقد أن أي حوار بين الأديان لن يكتب له
النجاح إلا إذا تم حسم هذه القضية، وإلا ستظل مثل هذه الحوارات شكلا
من أشكال العلاقات العامة التي لا جدوي منها ولا فائدة ترتجي من ورائها.
فمن الشروط الأولية التي لابد منها لإنجاح أي حوار ضرورة الاعتراف
بالآخر والاحترام المتبادل والمساواة بين المتحاورين.
والذي يهمنا في هذا المقال بصفة خاصة هو عرض وجهة النظر الإسلامية في
هذه القضية. فالإسلام ـ كما جاء في القرآن الكريم ـ هو دين الله،
وهو دين جميع الأنبياء الذين أرسلهم الله إلي البشر وآخرهم محمد صلي
الله عليه وسلم. وقد يثير ذلك في باديء الأمر شيئا من الحساسية لدي
أتباع الديانات الأخري. ولكن توضيح الأمر من شأنه أن يزيل أي لبس في
هذا الصدد. فالحقيقة واحدة وليست متعددة وإن كانت تتجلي في أشكال
مختلفة أو صور متعددة. وكل دين من الأديان جاء تعبيرا عن شكل من
أشكال هذه الحقيقة المطلقة الواحدة. وعندما يقال إن الإسلام هو دين
جميع الأنبياء والمرسلين كما يقول القرآن الكريم: إن الدين عند الله
الإسلام، فينبغي أن نوضح أولا المقصود من مفهوم الإسلام في هذا الصدد
حتي لا يكون هناك مجال لتخمينات أو افتراضات لا أساس لها.
فالإسلام بالمعني العام يعني إسلام الوجه لله، وهذا أمر تشترك فيه كل
الأديان. أما الإسلام بالمعني التاريخي فهذا ما تختص به الرسالة
المحمدية. وإذا كان الأمر كذلك فإن جميع الأديان التي أرسلها الله
للبشر علي يد الأنبياء والمرسلين تشترك في الحقيقة المطلقة، ولا يجوز
لأي منها أن يدعي لنفسه أنه وحده الذي يمتلك الحقيقة المطلقة وأن غيره
من الأديان ليس له نصيب منها.
ومن هذا المنطلق يعتبر الاسلام نفسه آخر حلقة في سلسلة الرسالات
الإلهية للبشر، وهذا يعني الاعتراف بكل الرسل والأنبياء السابقين وما
أنزل عليهم من كتب سماوية. ويصور النبي عليه الصلاة والسلام علاقته
بالأنبياء السابقين تصويرا رائعا حين يقول:ـ
مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع
لبنة من زاوية فيه، فكان الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا
وضعت هذه اللبنة: قال فأنا هذه اللبنة وأنا خاتم النبيين.
ومن هنا لا يكتمل إيمان المسلم إلا إذا آمن بالرسالات السماوية جميعها
ـ كما يؤكد ذلك القرآن الكريم: ـ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه
والمؤمنون. كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من
رسله.
وهكذا يتضح لنا بجلاء، وبما لا يدع مجالا لأي تأويل، موقف الإسلام
من قضية امتلاك الحقيقة المطلقة. ولذلك فإن الإسلام عندما يدخل في
حوار مع الديانات الأخري فإنه يكون غير مثقل بحساسيات أو عقد من أي نوع.
فنحن جميعا ننتسب إلي الحقيقة المطلقة الواحدة. ويذهب الإسلام إلي
أبعد من ذلك حين يعتبر أن أي دين يؤمن أتباعه بالله واليوم الآخر
والعمل الصالح فهو دين يحظي بالقبول من الله ـ كما يقول القرآن الكريم:
ـ إن الذين آمنو والذين هادوا والنصاري والصابئين من آمن بالله واليوم
الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وعلي هذا الأساس انطلقت دعوة الإسلام إلي الحوار مع أتباع الديانات
السماوية. وفي ذلك يقول القرآن الكريم: قل ياأهل الكتاب تعالوا إلي
كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ
بعضنا بعضا أربابا من دون الله. ولم يكتف القرآن بالدعوة إلي الحوار
وإنما رسم أيضا منهج الحوار قائلا: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي
هي أحسن.
وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أول من أجري حورا دينيا في مسجده
بالمدينة المنورة مع وفد من نصاري نجران. وقد كان هذا الوفد مكونا من
خمسة عشر رجلا بقيادة أسقفهم أبي الحارث. والجدير بالذكر أن أعضاء
الوفد المذكور عندما دخلوا المسجد اتخذوا لأنفسهم ركنا من أركان المسجد
وبدءوا في أداء صلواتهم. وقد استفز ذلك بعض الصحابة، ولكن النبي
قال لهم: اتركوهم حتي ينتهوا من صلاتهم وبعد انتهائهم من الصلاة جري
بينهم وبين الرسول حوار ديني اتسم بروح المودة.
وليس هناك مجال في تعاليم الإسلام للتعصب ضد أي دين من الأديان
السماوية. فالجميع ـ بنص القرآن ـ يشتركون في الحقيقة المطلقة وهذا
الموقف يفتح الباب واسعا للحوار الذي يؤدي إلي التعاون المثمر بين
البشر جميعا من أجل التنافس في الخير، كما يحثنا القرآن الكريم علي
ذلك في قوله: فاستبقوا الخيرات إلي الله مرجعكم جميعا.
ومن التعاليم القرآنية أنه لا يجوز لنا أن نصدر أحكاما بالكفر علي هذا
أو ذاك من الأفراد والجماعات، كما لا يجوز أن نتبادل السباب مع
الكافرين ـ كما جاء في القرآن الكريم: ـ ولا تسبوا الذين يدعون من
دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم.
وينبه القرآن الكريم إلي أن الله وحده هو الذي سوف يفصل بين الناس يوم
القيامة.
فالحكم علي الآخرين ينبغي أن يترك أمره لله وحده خالق كل البشر، الذي
يعلم ما نخفي وما نعلن، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم بكل وضوح في
قوله تعالي: إن الذين آمنو والدين هادوا والصابئين والنصاري والمجوس
والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله علي كل شيء شهيد.
ولا شك في أن العلاقة بين الأديان لو فهمت علي هذا النحو لدي أتباع
الأديان الأخري فستختفي المشكلات بين الأديان، وتختفي معها الأحكام
المسبقة والمفاهيم المغلوطة والأفكار الخاطئة لدي كل طرف عن الطرف
الآخر، وتكون هناك فرصة حقيقية لخلق أجواء صحية للحوار والتعاون
والتعايش فيما بينها من أجل ترسيخ أسس السلام والاستقرار في العالم.
ولا يفوتنا في ختام هذا المقال أن نشير إلي أن الأدب الأوروبي لا يخلو
من بعض النماذج المضيئة التي سارت في هذا الاتجاه. ومن ذلك ـ علي
سبيل المثال لا الحصر الأديب الألماني الشهير ليسنج الذي اتسمت نظرته
إلي العلاقة بين الأديان بسعة الأفق عندما عبر في روايته ناتان الحكيم
عن الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام بالحلقات الثلاث
التي لا تتميز أي منها عن الأخري.
والحق أنه عندما تسود النظرة الإنسانية الحقيقية بين البشر، تلك
النظرة التي ترتفع فوق كل عوامل التمييز بين الناس فإن ذلك من شأنه أن
يفتح الباب أمام سيادة قيم التسامح والتقارب والتواصل بين الناس بعيدا
عن كل أشكال التعصب والتطرف والانغلاق. وعندئذ تكون الحقيقة المطلقة
عامل تجميع لا تفريق. ومظلة واقية من كل عوامل الانقسام الديني
والشقاق المذهبي بين البشر علي اختلاف معتقداتهم.
|