الدين بين الكتاب والمعلقين
 عاطف العزي

GMT 7:45:00 2008 الخميس 4 ديسمبر
ازداد مؤخراً عدد المقالات فيما يخص الدين فى ايلاف، وتبعا لذلك زاد عدد المعلقين، وقام بعضهم بالتهجم بدون وجه حق على الكتاب، بالاضافة الى تهجمهم المعلقين بعضهم على البعض الآخر، واستعمل بعضهم كلمات نابية تدل على الجهل المطبق وعدم احترام الرأي الآخر. ولفت نظرى الى ان بعض المعلقين ينتقد النحو واملاء والانشاء وينسى الموضوع الذى تدور حوله المقالة. اننى وغيرى من الذين يكتبون فى قسم (آراء)، نطرح آراءنا، ولا نستلم ولا نتوقع أجرا عليه بل يكفينا ان آراءنا تنشر فى جريدة ألكترونية التى هي الأكثر رواجا فى العالم العربي.

ان الكتابة ليست بالأمر السهل مطلقا، فان الكاتب يحتاج الى قدر كبير من المعلومات والمصادر التى يراجعها ويقارن فيما بينها، وغيرها من الأمور يصعب حصرها، قبل أن يبعث بها الى الناشر. ولا يتوقع الكاتب ارضاء كل الناس حيث تختلف مستوياتهم العلمية والثقافية، وكذلك اختلاف الأعمار وحتى اختلاف الجنس. فما يرضى الرجل قد لا يرضى المرأة وما يرضى الشاب قد لا يرضى الشيخ وهكذا. وفى اليوم التالى أو الذى يليه تظهر المقالة وتبدأ ظهور تعليقات القراء عليها. منها تعليقات مفيدة وان كان بعضها يتعارض مع رأي الكاتب فسيتفيد منها الجميع، ومنها تهجم لا مبرر له يتناول حتى خصوصيات الكاتب، و مثل هذه التعليقات تضر ولا تنفع فتضيع وقت القارىء.

أنا لا أعبر عن شعور جميع الكتاب، ولكن هذا ما أشعر به شخصيا وأظنه ينطبق على الأغلبية منهم أيضا.

الكتابة فى أمورالدين مسألة شاقة جدا وشائكة. فان معظم الناس متعصبون الى درجة مذهلة لما يؤمنون به، وان لم يتحققوا بأنفسهم من صحته. فهم يعتمدون على ما ورثوه من آبائهم. والأدهى من ذلك انهم لا يحاولون الاطلاع على الرأي الآخر ويكتفون بما حصلوا عليه بالوراثة. وما يحصل عليه الانسان بالوراثة يصعب عليه تغييره او التخلى عنه. وهذا ينطبق على كل الأديان فى كل مكان وزمان، كما جاء فى الآية :(بل قالوا انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مهتدون) الزخرف 22.

ثم أن الكثيرين من الناس ومنذ عشرات القرون اتخذوا من الدين مهنة ومكسبا، وتظاهروا بأنهم متفقهون بأمور الدين، وحسبهم الجهلاء -وهم الأغلبية- علماء، ومعلوماتهم فى الواقع لم تزد على بضعة عشر آية من القرآن الكريم وبعض الأحاديث التى لفقوا معظمها هم بأنفسهم ارضاء لحكام ازمانهم ولقاء أجور استلموها. سموا أنفسهم أئمة وشيوخا للاسلام والمسلمين، ولو قارنت معلوماتهم مع معلومات صبي لكان له قصب السبق عليهم. قاموا باضفاء هالة على أنفسهم، وتظاهروا بتقديس أشخاص عاشوا قبلهم بقرون حتى لا يستطيع أحد الرجوع اليهم وتكذيبهم، وقالوا عنهم أنهم من أصحاب رسول الله، ونقلوا عنهم مئات الآلاف من الأحاديث.

بعد انتهاء الحكم العثماني فى العراق، عارض بعض رجال الدين بشدة دخول الأطفال الى المدارس، بحجة الخوف من انزلاقهم الى الكفر اذا لم يواصلوا تعلم قراءة القرآن فى الكتاتيب، حتى وان لم يفهموا ما يقرأون. كما ومنع بعض رؤساء العشائر ذهاب الأطفال الى المدارس أيضا، لأنهم يدركون جيدا أن المتعلم لن يرضخ لرئيس العشيرة. وقد سبقهم الى ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس المذهب الوهابي المتوفى فى سنة 1791 الذى قال : (الفكر والكفر واحد، لانهما من ذات الحروف، فلا تفكروا لكي لا تكفروا)!!.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى سنة 1918، كان من النادر أن تعثر على شخص يحسن القراءة والكتابة، فقد كانت حكرا على أقلية ضئيلة من الناس لندرة المدارس وندرة المعلمين. فكانت فئة ممن نسميهم اليوم ب(رجال الدين)، يعلمون أبناءهم وأبناء حكامهم القراءة والكتابة، بينما بقي الآخرون على جهلهم ولا مصدر لمعلوماتهم الا ما يسمعونه من هذه الفئة.

والمعروف أن الأديان بدأت منذ عصور سحيقة فى القدم، عندما كان الانسان يفزع لبعض الظواهر الطبيعية التى لم يكن باستطاعته دفع أذاها عن نفسه، وبدأ يتخيل وجود قوة أشد منها تستطيع حمايته من تلك الظواهروالكوارث، فمن الناس من عبد الشمس والقمر والرياح والمطر، ومنهم من عبد النار أو الحيوانات او الاحجار وغيرها. ولا يعرف أحدا بالتحديد متى ظهرت الأديان السماوية، ولكن ظهورها لم يقض تماما على الأديان الأخرى بل استمربعضها حتى يومنا هذا.

ولما كان الأنسان منشغلا طول الوقت فى البحث عن الطعام والشراب وكل متطلبات الحياة الأخرى، ولا يجد الوقت الكافى للبحث فى الغيبيات، فقد قام البعض ممن يملكون المؤهلات الضرورية لتولى هذه المهمة، فظهر المشعوذون واحتلوا مكانا مرموقا بين الناس. ففى أفريقيا تجدهم يطببون الناس بالرقص والصراخ حول المريض وحتى ضربه بالعصي لطرد شيطان المرض منه، ومنهم فى بلداننا العربية من يكتب أدعية بلغة غير مفهومة يربطها على زتد المريض، وآخرون يربطون المريض الى شبابيك قبورالأولياء لمعالجتهم مما بهم، وغير ذلك مما لا يتقبله العقل السوي.

وقام رجال الدين فى اوروبا ببيع صكوك الغفران للملوك والأمراء وحثوهم على غزو بلاد الاسلام بحجة الدفاع عن المسيحيين فى الديار المقدسة، وسببوا مذابح هائلة. وقبل ذلك قام المسلمون بغزو اسبانيا المسيحية، ولم يتركوها الا بعد سبعة قرون بعد ان طردهم الأسبان منها. ومهما نقول عن نشرالدين الاسلامي والحضارة الاسلامية فلم يكن هناك مبرر لقتال المسيحيين وغزو بلادهم وهم أهل كتاب. ويندر من يعترف ان ذلك (الفتح) لم يكن فى حقيقته الا الغزو السبي والنهب.

ومنذ بدء عصرالنهضة الى يومنا هذا، ومع تيسر الحصول على العلوم والمعارف، فقد انشغل الانسان أكثر من السابق بأمور دنياه، وترك أمور الدين لمن نسميهم رجال الدين، و حالما يشعرهؤلاء بقلة اقبال الناس على دور العبادة وهبوط عائداتهم المالية، يبدأون باثارة النعرات الدينية والطائفية، ولا يهمهم ما يجر ذلك على الناس من مآسي وخراب. وهكذا فقد قتل رجال الدين الملايين من البشر على مر العصور باسم الدين. لقد خبرنا ذلك منهم فى العراق منذ سقوط حكم البعثيين الأسود، فقام رجال الدين من السنة والشيعة يحرضون الناس على قتل بعضهم البعض الآخر، وأصدروا فتاوى القتل - كما فعل الشيخ القرضاوي- وخرب البلد وشرد أهله، بينما هم يغترفون الأموال التى يحصلون عليها من جيران العراق، الذين لم يكتفوا بارسال الأموال بل أرسلوا الجهلاء المغفلين لتفجير أنفسهم بين العراقيين فى الأسواق والمساجد وفى كل مكان بلا تمييز بين طفل وشيخ وامرأة، طمعا بالجنة وحورها العين والغلمان المخلدين.

عاطف العزي