حكايات الاحتلال وتصحيح بعض المفاهيم (١١)
دولة العبيد وأيامها السوداء
عادل جندى
عادل جندي

GMT 19:00:00 2008 السبت 6 ديسمبر
مع منتصف القرن الثالث عشر أصبحت مصر تحت سلطان المماليك: فكانت بذلك الدولة الوحيدة في العالم (ولأول مرة في تاريخها) التي يحكمها العبيد، ولا يشاركها في هذا الشرف التاريخي سوى عدد من الدويلات الإسلامية في شبه القارة الهندية. 
كان المماليك عبيدا يُخطفون (وأحيانا يُشترون) من بلدان غير اسلامية، أطفالاً؛ ثم يتم تربيتهم تربية عسكرية دينية صارمة في ثكنات معزولة عن العالم الخارجي، لضمان ولائهم التام للحاكم. وعندما يتحرر المملوك ويصبح أميرا كان من حقه أن يقتني بدوره عددا من المماليك يتناسب مع درجته. ويعتمد المملوك في حياته على الإقطاعيات التي يهبها السلطان إياه، وهي زمام قرية أو مدينة أو أكثر. ولذا لم يبق للفلاحين سوى العمل والسخرة ودفع الأموال.
وبعد أن زادت أعداد المماليك وقوتهم استولوا على الحكم من الأيوبيين، ولكن كانت تحكمهم دائما عقد نقص مصدرها كونهم رقيقا في الأصل، وكانوا غالبا ما يغطون عليها بالتزيّد الديني (أحد ركيزتي تربيتهم)، كما حرصوا على استضافة الخلفاء العباسيين لإضفاء الشرعية الدينية على حكمهم.
وقد استمر حكم هؤلاء العبيد لمصر لأكثر من قرنين ونصف، وكانت دولتهم متعفنة متسمة بالطغيان والاستبداد والفتن يحكمها أرباب السيوف ومحترفوا التآمر. ولم يكن الحكم وراثيا بالأساس؛ بل عند موت (و غالبا قتل) السلطان، يتولى بعده الأمير الأقوى. وقد توالى ٢٤ سلطانا من المماليك "البحرية" (الأتراك الأصل الذين كانوا يقيمون في قلعة الروضة بالنيل، ولذا سموا بالبحرية) بين ١٢٥٠ و١٣٨٢ ولكن آخرهم، السلطان المنصور قلاوون، أراد تكوين طائفة جديدة من المماليك تختصه بولائها وترتبط به دون غيره من الأمراء المنافسين؛ وكان الشراكسة هم الأكثر توافرا في أسواق الرقيق بعد أن شردهم المغول من بلادهم شمالي بحر قزوين وشرقي البحر الأسود (شركاسي = شرق آسيا). ولكنه أكثر منهم فاستولوا على الحكم بعد مقتله، وتوالى منهم ٢٢ سلطانا حتى الغزو العثماني (١٥١٧). واستمر نفوذ المماليك بعدها في الأقاليم حتى القضاء عليهم بواسطة محمد علي في مطلع القرن التاسع عشر.
وقد تدهورت الأحوال في أيامهم واستشرى عدم الانضباط وأمسوا رمزا للفوضى وللسلب والنهب. ووصفهم المقريزي (ت ١٤٤١) على أيامه بأنه «ليس فيهم إلا من هو أزنى من قرد وألص من فأر وأفسد من ذئب». وقال في موضع آخر: «فنزل بالناس من (المماليك) بلاء لا يوصف، ما بين قتل ونهب وسبي، بحيث لو ملك الفرنج بلاد مصر ما زادوا على ما فعله (المماليك)» (الخطط ج٣ ص ١٢٤). ومن أسباب تدهور الأحوال في عهودهم، العربان الذين كانوا ينافسونهم في السيطرة على البلاد، وخاصة في الأقاليم، واستغلالها ونهبها وقتل الفلاحين وقطع الطرق. وكانت هجرات قبائلهم قد توالت منذ الغزو العربي وحاول بعض الحكام، بلا جدوى، التخلص منهم؛ (بل حاول بدر الجمالي، وزير المستنصر، استئصالهم حيث شبههم بالوحوش وليسوا من البشر). (هوامش تاريخ البطاركة ج٤ ص ٤١).
 وبالإجمال، وكأنه لم يكفِ معاناة القرون السابقة، فقد دخلت مصر في غيبوبة كاملة دامت خمسة قرون ونصف، ولم تفق منها إلا على صوت نابليون وهو يقرع أبوابها في ١٧٩٨.

***

وبعد ما عرضناه لأحداث واكبت نهاية الدولة الأيوبية، نتابع قراءة تاريخ مصر والقبط من خلال مخطوطات "تاريخ البطاركة" لساوري (ساويرس) ابن المقفع التي استمر في تسجيلها كتاب آخرون بعد وفاته حوالي سنة ١٠٠٠ ولكننا نجد أن الحوليات أصبحت، عبر فترات تمتد أحيانا لأكثر من قرنين، لا تزيد عن عبارات شديدة الاقتضاب. وهذا في حد ذاته دليل على الأيام السوداء الحالكة التي مرت على القبط الذين يبدو أنه لم يعد لديهم حتى من يقدر على تسجيل الأحداث بالتفصيل. ولذا سنلجأ إلى استكمال الصورة بالرجوع لمصادر أخرى.

***

٢٩ـ وبعد إتمام القرعة الهيكلية، اختير الأنبا غبريال (١٢٦٢)، لكن بعض أراخنة مصر كانوا قد اتفقوا على آخر يدعى يوأنس فأقاموه ما يقرب من سبعة سنين، وكانت هي المرة الوحيدة التي يجلس فيها اثنان من البطاركة على الكرسي المرقسي في نفس الوقت. ثم عزل يوأنس وتولى غبريال مرة أخرى لسنتين. ثم عزل غبريال وأعيد يوأنس (١٢٧١) بأمر السلطنة وبقي معزولا حتى وفاته، واستمر يوأنس حتي وفاته (١٢٩٣).
[[ وفي (١٢٦٤) أمر السلطان (الظاهر بيبرس) أن يحفروا حفرة كبيرة ويجمعوا النصارى ويحرقوهم فيها  (*). وطلب البطرك وقرر عليه خمسين ألف دينار، ثم أطلقوا النصارى. وبقوا سنتين يجمعون (المبلغ). وجرى على النصارى شدائد كثيرة يطول شرحها وقاسى الأساقفة شيئا يطول شرحه]].

(*) هذه العبارات المقتضبة تستحق التوضيح استنادا إلى مصادر أخرى: [كان كاتب قبطي، يعمل عند أمير خاصكي يعرف بعين الغزال، قد سأل يوما سمسارا عن مال متأخر عليه للأمير الذي يعمل عنده، ثم أمر غلامه فاقتاد السمسار نحو دار الأمير فصاح السمسار وتجمع الناس وكثرت الضوضاء. وكان الكاتب قد قرب من بيت أستاذه (الأمير) فأحاط به العامة وألقوه عن دابته وخلصوا السمسار، فجاء غلمان الأمير للنجدة فأسرع العامة إلى قلعة الجبل وهم يصيحون. ولما عرف السلطان بالخبر غضب وأمر الأمير بيدر والأمير سنجر الشجاعي بإحضار جميع النصارى بين يديه ليقتلهم، فما زالا به حتى استقر الحال على أن ينادى في القاهرة ومصر بأن لا يخدم أحد من النصارى واليهود عند أمير. وأمر الأمراء كافة بأن يعرضوا على من عندهم من الكتاب النصارى الإسلام فمن امتنع ضُربت عنقه ومن أسلم استخدموه عندهم. ورسم للنائب السلطاني بأن يفعل نفس الشيء مع مباشري الديوان السلطاني، فنزل الطلب لكافة الكُتّاب، فصارت العامة والحرافيش تسبق إلى بيوتهم وتنهبها حتى عم النهب بيوت جميع النصارى واليهود وأخرجوا نساءهم سبايا وقتلوا جماعة منهم بأيديهم، ونهبوا كنيسة المعلقة وقتلوا جماعة بها. ثم قام الأمير بيدر لكف العامة، فانكفوا. فكانت تلك من أشد الأحوال، مات فيها من الأطفال والشيوخ والرجال عدد كثير. ثم جمع النائب جماعة من كتاب السلطان والأمراء وأوقفوهم بين يدي السلطان، فأمر الشجاعي والأمير جاندار بأن ينزلوا إلى سوق الخيل تحت قلعة الجبل ويحفروا حفرة كبيرة ويلقوا فيها الكتّاب الحاضرين ويضرموا عليهم الحطب نارا فتقدم الأمير بيدر وتشفع، فأبي السلطان وقال: ما أريد في دولتي ديوانا نصرانيا. فلم يزل به بيدر حتى سمح بأن من أسلم منهم يبقى في الخدمة ومن امتنع ضربت عنقه. فخرج الأمير بيدر إلى الكُتّاب وأخبرهم، فاستسلموا (أسلموا) جميعا وكتب شهادات عليهم ودخل بها للسلطان....] (الكافي ج٢ ص ٥٣٨).


ما أروعه من نموذج تاريخي على "العدالة" الوحشية!!
وفي ١٢٧٣ أرسل ملك الحبشة يطلب مطرانا، وحرص في رسالته على أن يوضح للسلطان بيبرس أنه يحسن معاملة المسلمين في بلاده وأن منهم في جيشه مائة ألف فارس مسلم «وكل من يصل من المسلمين إلى بلادنا نحفظهم ونسفرهم كما يحبون». لكن بيبرس رفض طلبه (هوامش ج ٣ ص ١٥٧٨).
وفي (١٢٧٤) انتصر المسلمون على التتار في أرض الشام عند "بيرة"، ثم ساروا منها إلى أرمينية ففتحوها عنوة وأباحها بيبرس أياما فغنموا وسبوا وقتلوا وأراقوا فيها الدماء الكثيرة. ثم تاقت نفس الملك بيبرس إلى فتح النوبة والصعيد الأعلى فأنفذ الأمير آق سنقر في جيش عظيم إلى أسوان فقاتلها ومازال بها حتى استولى عليها، وترفع إلى الصعيد الأعلى يغزو ويفتح ويحرق ويخرب ويسفك الدماء حتى ملك جميع مصر العليا وأخضعها لحكم الملك الظاهر بيبرس وقفل راجعا مثقلا بالغنائم من الذهب والفضة وسن الفيل والريش والعبيد والإماء والخصيان والخيل والدواب. (الكافي ج٢ ص ٥٣٠)
 
٣٠ـ وبعد خلو الكرسي لسنة، رُسم الأنبا تاوضروس (١٢٩٤ـ١٣٠٠) وكان من دير أبو فانا [[وذُكر أنه أخذ البطريركية بما يخالف الناموس وكان محبا لأخذ الرشوة (*). وحدث في أيامه فناء وغلاء عظيم وأكل الناس الميتة (..)]].
(*) أي الشرطونية (السيمونية التي تعتبرها قوانين الكنيسة جريمة فادحة) وكانت لسداد المبالغ الكبيرة التي يفرضها السلاطين  على الكنيسة مقابل موافقتهم على رسامة البطرك أو لسد النفقات ودفع المبالغ الفادحة التي كانت تبتز عند حدوث المجاعات أو عند إرغام الرهبان ورجال الكنيسة على دفع الجزية، أو عند تحويل جزية من أسلم على بقية القبط الذين بقوا على دينهم (هوامش ج٤ ص ٦)

 ٣١ـ ثم تولى الأنبا يوأنس الثامن (١٣٠٠ـ١٣٢٠) [[وكان في أيامه لبس العمائم الزرقاء (*) وما جرى مجراه. وحدثت زلزلة عظيمة (أغسطس ١٣٠٣) (..) وقد حضر تجنيز الأب القديس برسوم العريان]].
(*) في أواخر سلطنة خليل بن قلاوون (١٢٩٠ـ ١٢٩٢) أُغلقت الكنائس في كل البلاد ما عدا الإسكندرية، وصدر الأمر لكل القبط بلبس العمائم الزرقاء. أما برسوم هذا، فقد أمر الوالي بجلده وحبسه لأنه كان متوحدا يصلي، بدون إذن، بإحدى الكنائس المغلقة، ثم أطلقه فسكن على سطح تلك الكنيسة. وقد تعرض للضرب بالسياط والحبس مرة أخرى لأنه رفض لبس العمامة الزرقاء.
وفي ١٢٩٩ قام بالحبشة رجل يدعى أبو عبد الله محمد يدعو للإسلام واجتمع معه نحو مائتي ألف رجل من الأعراب وحارب الملك. وعندما اشتدت وطأة المعارك سعى الفقيه عبد الله الزيلعي لدي السلطان ليتدخل لمساعدة العرب الغزاة في الحبشة، فوسط بطريرك الأقباط في ذلك، فأرسل هذا إلى ملك الحبشة يطلب منه ترك محاربة العرب في بلاده، لكن الحروب استمرت أمدا طويلا. (هوامش ج٣ ص ١٥٨٨)
وفي ١٣١٢ أرسل ملك الحبشة هدية إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون بلغت قيمتها مائة ألف دينار (؟)، حتى عُدّت من النوادر، ليطلب رسامة مطران لبلاده، فوافق....

 ٣٢ـ ثم تولى الأنبا يوأنس التاسع (١٣٢٠ـ١٣٢٧) [[وفي أيامه جرت شدائد كثيرة على النصارى وقُتل منهم وحُرق منهم، وسمروا منهم وأشهروهم على الجمال وألبسوهم العمائم الزرق. ثم فرج (الله) عن الشعب برحمته]].
هذه العبارات المختصرة المكثفة لا تشفي غليلا، لكن مصادر التاريخ تقول أنه في يوم الجمعة (١٦ مايو ١٣٢٠) وفي وقت واحد (*) حدثت حرائق بكنائس كثيرة في القاهرة ومصر واسكندرية وجهات أخرى، وحدث نهب وقتل. وبعد ذلك بشهر وقع حريق في عدة حارات وكثير من الدور والربوع والجوامع، واتهم في ذلك بعض النصارى وقُبض عليهم وعوقبوا بالحرق والقتل (**). وبعدها أُلزم النصارى بلبس العمائم الزرقاء ونودي بأنه من وجد نصرانيا لابسا عمامة بيضاء أو راكبا فرسا أو بغلا حل له دمه وماله، وإذا ركب حمارا فليركبه مقلوبا، ولا يدخل نصراني الحمام وإلا في عنقه جرس ولا يتزيا أحد منهم بزي المسلمين، ومنع الأمراء من استخدامهم وكثر إيقاع المسلمين بهم (هوامش ج٤ ص ٨٣٩). 
(*) كان قد بدأ، بأمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون (١٣٠٩ـ١٣٤٠)، بناء زريبة في التل الأعظم بجوار الجامع الطيبرسي، فلما انتهي الحفر إلى جانب كنيسة الزهرى، أخذ الفعلة في الحفر حولها حتى تعلقت الكنيسة لكنها لم تسقط، وصار العامة من غلمان الأمراء العاملين في الحفر وغيرهم يصرخون في طلب هدمها. إلى أن كان يوم الجمعة وكان السلطان يصلي بجامع قلعة الجبل فقام رجل فقير (وليّ؟) يصيح «اهدموا الكنيسة التي في القلعة» وأكثر من الصياح حتى أضجر الناس، فتعجب السلطان من قوله وأرسل نقيب الجيوش لفحص الأمر فوجدوا في خرائب التتار، قريبا من القلعة، كنيسة؛ فهدموها. ولما وصل الأمر للعامة، تجمع عدة من الغوغاء وصاحوا بصوت مرتفع الله أكبر، وهدموا كنيسة الزهرى (حيث الحفر) حتى بقيت كوما وقتلوا من كان بها من النصارى وأخذوا ما كان بها، ثم امتدت أيديهم إلى الكنائس الأخرى فهدموا كنيسة بو مينا بالحمراء، وكانت معظمة جدا من قديم الزمن، ثم مضوا إلى كنيستين أخريين بجوار السبع سقايات تعرف إحداها بكنيسة البنات وكان بها كثير من الراهبات المتعبدات فكسروا أبواب الكنيستين وسبوا (الراهبات) سبيا وكن يزدن عن ستين بنتا، ونهبوا سائر ما ظفروا به وأحرقوا وهدموا تلك الكنائس كلها. قال المقريزي: فعندما خرج الناس من الجوامع شاهدوا هولا كبيرا من كثرة الغبار ودخان الحريق وهرج الناس وشدة حركتهم ومعهم ما نهبوه فكان ذلك اليوم أشبه بيوم القيامة فلما بلغ السلطان انزعج وغضب من تجرؤ العامة بغير أمره، وأمر أيدغمش أميراخور أن يركب بجماعة الوشاقية ويتدارك الخلل، فإذا بخبر ورد بأن العامة قد خربت كنيسة بحارة الروم وكنيسة بحارة زويلة، كما زحفت العامة في جمع كثير جدا إلى كنيسة المعلقة فقفلها الموكلون بها وهم محصورون بها وهي على وشك أن تؤخذ، فنزل أربعة أمراء من القلعة في عدة وافرة ففر الناهبون ولم يظفر الأمراء إلا بمن عجز عن الحركة، وذهب الوالي إلى المعلقة فأخذه الناهبون بالرجم (بالحجارة) حتى فر منهم، وكانوا على وشك حرق باب الكنيسة فجرد أيدغمش ومن معه السيوف يريدون الفتك بالعامة فوجدوا عالما لا يحصر وخاف سوء العاقبة فأمسك عن القتل. وأخيرا فر العامة وتفرقوا. ثم جاءت الأخبار أيضا بأن العامة هدمت أربع كنائس بالإسكندرية وكنيستين بدمنهور وأربع كنائس بالغربية وثلاث بالشرقية وست بالبهنساوية وبأسيوط ومنفلوط ومنية أبي خصيب ثمان كنائس، وست كنائس بقوص وخمس بأسوان وبالأطفيحية كنيسة وبسوق وردان وقصر الشمع ثمان كنائس. وتواترت الأخبار بكثرة ما هدم من الكنائس والديارات فكانت شدة عظيمة للغاية]. (الكافي ج٢ ص ٥٥٣) 
 (**) وقع حريق بحارة الشوائين بالقاهرة، وكان يوما شديد الريح حتى قلعت النخيل وأغرقت المراكب،  فسرت النيران في كل ناحية وعجز الناس عن إطفائها إلا بعد أيام. واتهم بعض النصارى بالتسبب في الحريق، فاعترفوا بعد أن عوقبوا (عذبوا) بفعلتهم انتقاما لهدم الكنائس. فحُرق (المتهمون) يوم الجمعة واجتمع لمشاهدتهم جمع كثير، واجترأ من ذلك اليوم جمهور الناس على النصارى وفتكوا بهم. ولما ركب السلطان إلى الميدان كعادته وجد خلقا كثيرا جدا من العامة قد صبغوا خرقا من القماش بلون أزرق وعملوا فيها صلبانا بيضا وصاحوا: «لا دين إلا دين محمد بن عبد الله، يا ملك الناصر يا سلطان الإسلام انصرنا على أهل الكفر». فأمر السلطان الحاجب أن يخرج وينادى أن «من وجد نصرانيا فله ماله ودمه»، فصاحت العامة وصرخت نصرك الله وضجوا بالدعاء. وكثر إيقاع المسلمين بالنصارى ولبث الحال هكذا أياما ثم نودي في الناس بعد ذلك بالأمان وذلك لكثرة ما أوقعوا بالمسيحيين وزادوا في الخروج عن الحد. (الكافي ج٢ ص ٥٥٤ـ٥٥٧).

 وفي ١٣٢٦ أرسل ملك الحبشة رسلا إلى قلاوون يطلب منه «إعادة ما خرب من كنائس (القبط) ومعاملتهم بالإكرام والاحترام، ويهدد بأنه سيخرب ما عنده من مساجد المسلمين ويسد النيل حتى لا يعبر إلى مصر» فسخر السلطان وردّ رسله. وتكرر الأمر في السنة التالية. (هوامش ج ٣ ص ١٥٨٧)

 ٣٣ـ ثم جاء الأنبا بنيامين (١٣٢٧ـ١٣٣٩) [[وفي أيامه تولى شرف الدين النشوا ابن التاج، وجرت  شدائد كثيرة وأهانوا النساء والأولاد والرهبان والراهبات والأساقفة. ومات النشوا وحل الانتقام من الله على جميع فاعلي السوء]].
وقد استمرت السلطنة المملوكية في اضطهاد القبط وفصل من كان يعمل منهم في دواوين الدولة؛ ففر البعض منهم إلى بلاد الحبشة وعلى رأسهم فخر الدولة الكاتب فرحب به ملك الحبشة (حيث قام بإعادة تنظيم ديوان الملك ووضع قواعد الضرائب) (هوامش ج٣ ص ١٥٨٩).

 ٣٤ـ وتوالي عدد من البطاركة هم بطرس (١٣٤٠ـ١٣٤٨) ومرقس (١٣٤٨ـ١٣٦٣) ويوأنس (١٣٦٣ـ١٣٦٩) وغبريال (١٣٧٠ـ١٣٧٨) لا يذكُر كُتّاب الحوليات أي أحداث في أيامهم!
لكن مصادر التاريخ تشير أحيانا لأحوال القبط فتقول مثلا أنه في ١٣٥٤ قرر الأمراء شيخو وصرغتمش وطاز، وكانوا قائمين بتدبير الدولة، الاستيلاء على أراضى أوقاف أديرة وكنائس النصارى (خمسة وعشرين ألف فدان) والإنعام بها على الأمراء، وهدموا للنصارى عدة كنائس. وعاد العامة إلى تخريب الكنائس وهدم الديارات كما فعلوا أيام السلطان قلاوون. ومُنع اليهود والنصارى من مباشرة الدواوين. وتقرر ألا يزيد قماش عمائم النصاري عن عشرة أذرع (!) وألا يدخل أحد منهم الحمام وإلا في رقبته صليب ولا تدخل نساؤهم مع نساء المسلمين، وأن يكون إزار النصارى أزرق واليهود أصفر والسامرية أحمر، وأن يلبسوا الخف لونين، كل فردة من لون. ثم خرج الأمير علاء الدين والي القاهرة إلى ناحية شبرى الخيام فهدم كنيسة للنصارى وأخذ منها أصبع الشهيد المحفوظ في صندوق وأحضره للملك فأحرقه وذر رماده وبطل عيد الشهيد من يومئذ. واشتد العامة على النصارى شدة بالغة وتطاولت أيديهم إلى السلب والنهب وغير ذلك، والسلطان لا يرد للعامة كلمة ولا يوقفهم عند حد. ثم سكنت الفتنة وهمّ السلطان بتولية موفق الدين مسند الوزارة، وهو قبطي مرتد، فعارضه الأمراء وطلبوا تولية علم الدين وهو قبطي مرتد. (هوامش ج٤ ص ٨٥٥، والكافي ج٢ ص ٥٧٢)

 ٣٥ـ ثم تولى الأنبا متى (متاؤوس) (١٣٧٨ـ١٤٠٨). وقبلها كان راهبا في جبل أنطونيوس (بالصحراء الشرقية) ولم يقبل بالدعوة لتولي البطريركية وهرب، لكنه أُجبر عليها. وكان روحانيا فاعل خير متصدقا ومتواضعا [[يعمل مع الفعلة في معاجن الطين وينزح المراحيض مع العمالين ويشيل الغلال مع التراسين (..) ومع هذا لم ينحط عن هيبته ووقاره في أعين الناس]].
[[وكان هناك راهب سرياني يسمى ابراهيم خرج من الإيمان قدام الملك وصار جنديا وتكلم في حق الأب وفي حق جماعة الرهبان المجروحين بالبرية وقبض على جماعة منهم وأوثقهم وحملهم إلى مصر (..) ولم يبرح يعاند الأب البطرك ويقاومه حتى ضجر الشعب منه وسألوا الأب أن يدعو عليه فلم يقبل وقال لهم: «يا أولادي لا تدعو عليه بل أنا أدعو له» (..) وبعد وقت ندم ذاك الراهب السابق (ورجع لدينه ومات مقتولا لارتداده)]].
[[وكان أنه لما حارب الأمير منطاش السلطان برقوق وغلبه، (وشى له أحدهم) بأن تحت يد هذا الأب أموال وذخائر كان أودعها عنده برقوق قبل رحيله، فطلب الأب وعصره فلم يجد تحت يده شيئا (..). ومرة أخرى تسلط أميرٌ يسمى يلبغا الساملي وقصد أن (يفرض على الشعب أمورا صعبة) فلم يوافقه الأب، فجرد الأمير سيفه بغضب يريد أن ضرب رقبته، فمد عنقه للسيف (..) فلما رأى شجاعته تراجع (..) وحاول جماعة من المعاندين أن يهدموا كنيسة العذراء بالمعلقة (..) ثم أخذوا جفنة نار أطلقوها تحت أساساتها يريدون إحراقها (لكن المطر أطفأها) (..)]].
[[ثم تسلط جماعة من (المسلمين) على دير شهران (يريدون) أن يهدموه، وأنهوا إلى الملك كلاما كثيرا باطلا عن رهبان الدير فأذن لهم، فاجتمعوا لهدمه وكانوا خلقا كثيرا لا يحصى عدده لكن الأب (البطريرك) لم يخف منهم بل برح يناصبهم وقال لهم: «من منكم له يد وسلطان فليجرد سيفه ويقتلني، لأني ما دمت حيا لا أُمَكّنكُم من هدم طوبة واحدة من الدير حتى أقف أنا وأنتم قدام السلطان وأُظهر له باطل كلامكم» (..) ثم مضى إلى القلعة واستغاث بالسلطان برقوق. ولما وصله صوت صراخه، أرسل قضاة أربعة للكشف عن الدير فلم يجدوا شيئا مما (ادعاه) المعاندون]].
[[وأرسل الأمير سودون يطلب الأب وخاطبه بما أضمره، ومن جملته أن تلبس النسوة (القبطيات) الإزارات الزرق وغير ذلك، (فاستنكر الأب) أن يُشهّر ببنات شعبه وتصير عارا وأضحوكة لصغار عوام الناس وقال: «الحق أقول لك أيها الأمير أنك متى شهّرت بواحدة من بنات شعبي، لن أبرح أطلق التشهير في بلادكم من أطراف (السودان) وإلى أقاصي مصر. وأنا أخبرك أيها الأمير أن النصارى ما هم بغير ملوك على الأرض و(ليسوا مستضعفين) كما تحكمون عليهم» (..) فأطلق الأمير سبيله ولم يعد يخاطبه بشيء (في هذا الأمر)
]].
[[ثم تكلم أحد الأمراء مع الملك (برقوق) والقضاة أن لا يبقوا نصرانيا على الأرض (لكنه مات بعدها)]].
[[وكان كثير من الشعب قد اختلطوا وتنجسوا بنجاسات كثيرة. وكان الأب يتنهد ويبكي على الشقاء الذي يحل بالمصريين (..) وأخذ ينذر شعبه قائلا «تيقظوا يا أولادي وتحذروا من ذلك اليوم الذي يأتي فيه الانتقام على المصريين» (..) وكان كلما خاطبنا بهذا لا نحذر ولا نزداد إلا طغيانا ووقاحة وعدم خوف من الله (..)]].
** من كثرة ما كان يحدث من مصائب تفوق العقل والاحتمال، لجأ الأقباط للاحتماء بالشعور الديني وتفسير الأمر بكونه بسبب خطاياهم وبعدهم عن مخافة الله...
وفي ١٣٨٢ أرسل ملك الحبشة هدايا على أحد وعشرين جملا للسلطان الظاهر برقوق ليطلب مطرانا لبلاده (ج٤ ص ١٥٨٠). وحدث في ١٣٩٦ أن العرب الأحمدية اتحدوا مع العرب الكنوز والهوارة وقاموا على حاكم أسوان ونهبوا منه المدينة وسبوا أهلها وظلت سنوات بلا حاكم (ج٤ ص ٨٧٥). وقد كان للسلطان برقوق (١٣٨٢ـ١٣٩٩) أكثر من مائة ولد، تولى بعده منهم خمسة.

 ٣٦ـ ثم توالى عدد من البطاركة في الفترة من ١٤٠٩ حتى ١٦٧٥ لا يسجل كُتّاب الحوليات شيئا يذكر عن أيامهم، باستثناء الأنبا يوأنس الثاني عشر (١٤٧٨ـ١٤٨٣) الذي وصلته [[رسالة من البطريرك البابا بمدينة رومية (روما)، و (رد عليه) برسالة ثلاثة كراريس ورق، وجوهر الكلام فيها يتضمن ترك العناد والصلح والسلام بين كافة طوائف المسيحيين]].
ولكن كتب التاريخ تذكر لنا استمرار الاضطهاد وحالات فرار الأقباط للحبشة هروبا منه. وقد حدثت خلال القرن الخامس عشر مشاحنات بين مصر والحبشة، ورفض السلاطين إرسال مطارنة أقباط فولى ملك الحبشة وجهه شطر روما، ولم تعترض الكنيسة القبطية حرصا على بقاء كنيسة الحبشة (١٤٤٠).
وفي عهد البطريرك يوأنس الحادي عشر (١٤٢٧ـ١٤٥٢) قتل وأحرق عدد كبير من الأقباط بينما سُمِّر آخرون في ألواح خشبية وكانوا يُساقون في شوارع القاهرة على ظهور الجمال (هوامش ج٤ ص٧). وكان ذلك  في عصر السلطان الظاهر جقمق (١٤٣٨ـ ١٤٥٣) «الذي عُرف عنه أنه كان معتدلا في حكمة إذا قيس بسلفه برسباي، كما عرف عنه تدينه وورعه فحرّم المعاصي وشُرب الخمر» (!!)
وفي (١٤٤٣) أرسل ملك الحبشة للسلطان جقمق رسالة (مشفوعة بهدايا تشمل سبعين جارية) لاستعادة العلاقات الطيبة مع مصر، ويلفت نظره فيها لمعاملة القبط: [(..) وأنتم عارفون ما يلزم الراعي (الحاكم) من النظر في حال رعيته وأن الله يطالبه بذلك. وأبونا البطريرك والنصارى الذين تحت عز سلطانكم ومملكتكم الشريفة نفر قليل وضعفاء الحال ومساكين في كل الجهات ولا يمكن أن يكونوا قدر قيراط من المسلمين القاطنين بإقليم واحد من بلادنا. وأنتم حفظكم الله لا يخفى عليكم ما في بلادنا الواسعة من المسلمين تحت حكمنا ولم نزل نحسن إليهم في كل حين (..) وليس يخفى على سلطانكم أن بحر النيل ينجر إليكم من بلادنا ولنا استطاعة على أن نمنع الزيادة (الفيضان) التي تروي بلادكم ولا يمنعنا من ذلك إلا تقوى الله والمشقة على عباد الله (..)]. وقد رد السلطان برفض طلبات الملك (بتحسين معاملة القبط)، وإن أرسل له هدايا مناسبة... ويبدو أن ملك الحبشة استاء من الرد فحجز الرسول عنده وهدد بقتل (أحد ولاة الأقاليم المسلمين). ولما بلغ السلطان جقمق ذلك استحضر بطريرك الأقباط وضربه وهدده بالقتل، فأسرع ذاك بكتابة رسالة لملك الحبشة (..). (هوامش ج٣ ص ١٥٩٥ عن السخاوي).
وفي (١٤٦٣) كتب النجاشي داود إلى السلطان برقوق رسالة طويلة، ردا على رسالتين: واحدة من السلطان، حملها القاضي برهان الدين، والأخرى من البطريرك الأنبا متاؤوس حملها الأسقف إبراهام. ويشير النجاشي إلى أن مقاصد ملوك الحبشة [هي الخير لكل الناس والعدل والإنصاف والشفقة وردع الظالمين ومنع المفسدين وإيصال الحقوق للمستحقين] وكأنه يغمز بأن هذا ليس الحال في مصر. ثم يرد على ما ذُكر في رسالتي السلطان والبطريرك [من أن قوما أنهوا عندكم بأننا تسلطنا على المسلمين في بلادنا بالقتل والإساءة والإكراه على دخول ديننا] بأنها أمور سقيمة يستحق قائلوها القصاص الواجب على الكاذبين [لأنهم مقيمون في بلادنا راضين غير كارهين، وكانوا فقراء فصاروا تجارا مثقلين يتاجرون ويمشون شرقا وغربا من غير جزية ولا مكوس (..) وأما الإكراه على الدخول في ديننا فهذا غير واجب في كتبنا (..)] (أي الكلام لكِ يا جارة). ويشير إلى جهود حفظ الطرق، مؤكدا أن من جرت محاربتهم هم العربان المفسدون، بالضبط كما يُقاومهم السلطان في مصر. ونوه بوجود العديد من الملوك (حكام أقاليم) المسلمين على مناطق يسكنها نصارى يدفعون لهم الخراج كرعية، وكيف أن [جماعة المسلمين (في الحبشة) عليهم مزيد الأمن والأمان، (بينما) تعاملون الرعية وأهل الذمة (في مصر) بضد ذلك..] وذكّر بما حدث للقبط وأوصى [بمراعاتهم وإكرامهم وإعادة كنائسهم وأديرتهم التي أخذتموها وجعلتموها مساجد، وهذا بخلاف ما أمر به صاحب شريعتكم من حفط الذمة]. ثم يستعمل لغة التهديد المبطن: [فإن كنتم تقرونهم على عوائدهم من حفظ كنائسهم وأرزاقهم وأموالهم ومواشيهم وركوبهم معتدلين كجاري العوائد القديمة، فالعهد باق بيننا وبينكم ونعامل المسلمين بأكثر من ذلك. ومهما فعلتموه مع أبينا البطريرك وأخوتنا النصارى من الخير والشر فنحن فاعلوه مع سائر المسلمين الذين في سلطاننا (..)] ويضيف أن [النصارى تحت سلطانكم بالديار المصرية ما يوازون أكثر من إقليم واحد من أقاليم المسلمين الذين تحت سلطاننا (..)]. ثم يشتكي النجاشي مما يحدث للأحباش التجار أو المسافرين للحج إلى القدس عبر مصر وكيف أسيئت معاملتهم أو [أخذوا باليد العالية ليعملوهم مسلمين، وهذا غير واجب في الشريعة ولا جرت به عادة في زمن المسلمين السالفين]. (ج٣ ملحق ٩ ص ١٨٠٨ عن مخطوطة بمكتبة بطريركية الأقباط)
ومثل هذه الرسائل تبين بصورة واضحة، وإن كانت غير مباشرة، ما كان يحدث للقبط أيام المماليك؛ وكيف كان اضطهادهم، إن لم يكن القضاء عليهم، سياسة عامة ثابتة، برغبة السلاطين أو تحت ضغط "الشارع الإسلامي" من العوام والرعاع...
وما أشبه اليوم بالبارحة!!

 وفي أيام السلطان قايتباي (١٤٦٨ـ١٤٩٦) والبطريرك يوأنس الثاني عشر (١٤٧٨ـ١٤٨٣) قام العامة على النصارى بالقاهرة وأغلقت جميع كنائسهم ومُنعوا من إقامة شعائر دينهم ثم عمّ الأمر جميع الأقاليم القبلية والبحرية واشتدت نار الفتنة فوقع القتل والسبي والنهب والتخريب وأريقت الدماء هدرا في الأزقة والحارات وعجز ولاة الأمر عن ردع العامة. وما زال الحال على ذلك أياما كثيرة حتى سكنت الفتنة، وكان الخطب شديدا. وكانت مدة هذا الأب البطريرك حوالي ست سنين قضاها في أنكد عيش وأضيق حال بين أسر واسترقاق، وقد ذاق في أيامه النصارى من الرزايا والمحن أنواعا وصنوفا. (الكافي ج٢ ص ٦١١ـ٦١٣).

ثم اشتد السلطان الأشرف قانصوه الغوري (١٥٠١ـ١٥١٦) على النصارى شدة بالغة فصادر أموال الكثير منهم وضيق عليهم وزاد في نكايتهم حتى عاقب بعض النساء بالجلد. (الكافي ج٢ ص ٦١٦).

***

والخلاصة هي أن دولة المماليك العبيد كانت أحلك فترات التاريخ على القبط وأكثرها وحشية؛ تحالف، بل تنافس، ضدهم فيها الحكام الدمويون مع الرعاع الغوغاء...
وهنا كان السلطان العثماني سليم يُعدّ العدة لفتح مصر، بعد أن استولى على حلب ثم دمشق وعاث فيهما، وكان هذا إيذانا بكابوس جديد!

سير قديسين 0082
الأنبا برسوم العريان

انه أحد قديسي القرن الثالث عشر، عاش في وسط الضيق الشديد يحمل إيمانًا حيًا، لا ليدوس على الحيات والعقارب فحسب وإنما ليقدم تعزيات الروح القدس للنفوس المتألمة، هذا وقد وهبه الله صنع الآيات و العجائب.

نشأته
وُلد سنة 1257م من أبوين تقيين، وكان والده يدعي الوجيه مفضل، اتخذته الملكة شجرة الدر كاتمًا لأسرارها. تقبلاه الوالدان كعطية إلهية ثمرة صلوات وأصوام طويلة، لذا ربياه في مخافة الله واهتما بحياته الروحية ودراسته في الكتاب المقدس.
توفى والده وبعد عام توفيت والدته، فطمع خاله في الميراث، أما برسوم فلم يدخل مع خاله في خصومة، متذكرًا قول الحكيم: "باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح" (جا 1: 2). وإذ حاول بعض أقاربه أن يثيروه ليقاضي خاله رفض تمامًا.
حبه للوحدة

انطلق خارج الفسطاط ليعيش في مغارة، يحتمل حرّ الصيف وبرد الشتاء، غير مبالٍ بما يصادفه من مخاطر البرية. عاش خمس سنوات في حياة نسكية جادة مع صلوات ومطانيات بلا انقطاع، يرتدي منطقة من جلد الماعز على حقويه، لذا دعي بالعريان.
في مغارة أبي سيفين
أرشده الله إلى كنيسة الشهيد أبي سيفين "مرقوريوس" بمصر القديمة، إذ كان بها مغارة بجوار الباب البحري، لا تزال إلى يومنا هذا، وكان بها ثعبان ضخم بسببه امتنع الناس من النزول إليها. حاول القديس أن ينزل المغارة فمنعه خدام الكنيسة مظهرين خوفهم عليه، أما هو فبإيمان بسط يديه نحو السماء وصلى، قائلاً: "يا ربي يسوع المسيح ابن الله الحيّ، أنت الذي أعطيتنا السلطان أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو. أنت الذي وهبت الشفاء لشعب إسرائيل الذين لدغتهم الحيات عندما نظروا إلى الحية النحاسية، الآن أنظر أنا إليك يا من عُلقت على الصليب لكي تعطيني قوة أستطيع بها مقاومة هذا الوحش". وإذ رشم نفسه بعلامة الصليب تقدم نحو الثعبان، وهو يقول: "تطأ الأفعى والحيات، وتدوس الأسد والتنين ..." (مز 27: 1) ، فنزع الله من الثعبان طبعه الوحشي، وصار مرافقًا له في المغارة حوالي 20 عامًا.
فاحت رائحة المسيح الذكية فيه فجاءت الجموع من كل مدينة تطلب صلواته وبركته.

مساندته للمتضايقين
في أيامه اجتازت الكنيسة ضيقة شديدة في أواخر سلطنة خليل بن قلاوون، إذ أُغلقت الكنائس في كل القطر ماعدا الإسكندرية، وصدر الأمر بلبس العمائم الزرقاء. أما القديس برسوم فكان مستمرًا على صلواته في الكنيسة، رافضًا لبس العمامة الزرقاء. وشى به البعض لدى الوالي فأمر بجلده وحبسه ثم أطلقه فسكن على سطح الكنيسة يقدم صلوات ومطانيات بدموعٍ لكي يرفع الله غضبه عن شعبه ويغفر لهم خطاياهم ويحنن قلوب المتولين عليهم.
وُشى به إلى الوالي مرة أخرى فتعرض للضرب بالسياط والحبس ثم أُفرج عنه ليذهب إلى دير شهران بجهة معصرة حلوان. وهناك عاش في حياة نسكية شديدة، وكانت نعمة الله تسنده، ووهبه الله عطية صنع العجائب. وكان كثير من المتضايقين يأتون إليه ليجدوا فيه راحة سماوية، وبصلاته رفع الله الضيق.
في 5 نسيء تنيح القديس وهو في الستين من عمره.
بركة صلواته تشملنا الى الأبد أمبن