هل حقا صدمنا البابا
 بقلم عادل جرجس سعد

 

يثير مقال الأستاذ أحمد باشا فى عدد مجلة «روزاليوسف» الصادر بتاريخ 7 نوفمبر 2008 العديد من الإشكاليات والتناقضات فى تحليله لتصريحات قداسة البابا شنودة الأخيرة، وأرى هنا أن تصريحات البابا الأخيرة هى الأهم منذ أن تولى الجلوس على الكرسى المرقسى، واعتبار أن مناقشة بعض من إشكاليات هذا الملف سوف يكون صادماً، فواقع الأمر أن الجميع يعرف أبعاد كل إشكاليات هذا الملف، ولكننا لا نريد مكاشفة بعضنا بالحقائق، فى إصرار عجيب لدفن الرءوس فى الرمال، وأنا هنا لا أزعم أننى سوف أحاول إخراج هذه الرءوس من الرمال، ولكننى فقط سوف أحاول أن أنفض بعض الرمال عنها، من خلال مقال أحمد باشا وتصريحات البابا.

ماهية البابا
يحدد الكاتب واجبات البابا تجاه الرعية من تحقيق مطالب أو إدانة، والسؤال الذى يطرح نفسه هو: هل يملك البابا من الصلاحيات والسلطات ما يمكنه من تحقيق مطالب المظلومين والدفاع عن حقوقهم، فمثلاً هل يستطيع البابا أن يعيد إلى المسيحى العائد إلى ديانته كلمة «مسيحى» أمام خانة الديانة فى بطاقته الشخصية؟ وهل يستطيع البابا أن يعيد لأم مسيحية حضانة صغارها بعد أن اعتنق زوجها الإسلام؟ وهل يستطيع البابا أن يحقق لأطفال مسيحيين تربوا فى الكنيسة ويصلون صلواتها ويمارسون طقوسها ترك أبيهم الديانة المسيحية؟ هذه هى صغائر حقوق المظلومين من رعايا البابا والتى يقف أمامها البابا لا حول له ولا قوة، فهو إذن- أى البابا- عاجز عن تحقيق أقل مطالب للمظلومين من رعيته، مهما أدلى بتصريحات وأحاديث صحفية، فالوضع لا يتم تغييره إلا على أيدى القضاء، فكيف لنا إذن أن نطلب من البابا أن يدين المخطئ- إن كان هناك مخطئ- فالذى لا يستطيع أن يعطى الحقوق لا يستطيع فرض الواجبات. وهل أخطأ البابا حينما شكك فى مؤسسات كاملة فى الدولة- على حد تعبير كاتب المقال- والتى كشف عنها النقاب الكاتب فيما بعد بأنها مؤسسة الأمن، أليس الأمن هو القاسم المشترك الأعظم فى كل مشاكل الأقباط سواء كانت مدنية أم جنائية؟، ولكن إصرار الأمن على التمسك بإدارة هذا الملف أمنيا لا يعفيه من دائرة الوقوع فى الخطأ لأنه فى أحوال كثيرة يمكن أن تكون الرؤية أمنية فقط وليست حقوقية، فقد يرى الأمن حلاً لمشكلة ما يحافظ فيها على سلامة الوطن، ولكنه فى النهاية قد يهدر حقوق بعض الأطراف، وتوجيه النقد للجهاز الأمنى يجب ألا تسبقه شهادة إشادة بالجهود المبذولة فى الحفاظ على سلامة البلد، لأن هذا أمر بديهى ولا نشكك فيه، ولكن الأمن غير معصوم من الخطأ، فإذا ما أخطأ فى التعامل مع قضية ما وجب علينا تنبيهه، وخاصة أن وزير الداخلية «بصفته» هو خصم مستديم فى كل قضايا الأقباط الحقوقية.

أبو فانا
لن أناقش هنا ما أثاره الكاتب حول استيلاء الرهبان على أراضى الدولة، فالرهبان لديهم وثائقهم التى تثبت عكس ذلك، وأنهم أصحاب أرض وليسوا مغتصبين، وهو أمر يمكن أن يحسمه الجهاز الإدارى بالدولة، ولكن هناك سؤال يلح علىَّ فى هذا المقام لو افترضنا جدلاً أن الرهبان- كما جاء بالمقال- قاموا بالاستيلاء على أراضى الدولة فى تصرف لا يليق بالرهبان.. السؤال هو: ما حجم الأراضى التى استولى عليها الرهبان بالقياس لأراضى الدولة المغتصبة والتى تقدَّر بآلاف الأفدنة والكيلومترات والتى حصل عليها أصحاب النفوذ والسلطة؟ وهل استفادت الدولة أو المجتمع من عوائد تلك الأراضى التى تقدر بالمليارات؟ وهل صرف عوائد تلك الأراضى على مطربات وقتله قد أفاد البلد والمجتمع؟ مجرد سؤال لأن الشىء بالشىء يذكر.
أما أغرب ما جاء بالمقال فى موضوع أبوفانا فهو «أن البابا مُصِرّ ونحن معه على معاقبة العربان ممن اعتدوا على الرهبان.. فادعى به أن يصر أيضاً على تقديم المتهمين الأقباط بمقتل شاب مسلم.. والتناول هنا غريب لأن هناك بالفعل أقباطاً تحت المحاكمة بتهمة قتل الشاب المسلم، فلا مجال هنا إذن لمطالبة البابا بتقديم الأقباط المتهمين فى قتل الشاب المسلم إلى المحاكمة، وهذا ما طالب به الكاتب، وهو قد تحقق على أرض الواقع، فماذا إذن عن العربان الذين اعتدوا على الرهبان، هل تم القبض على أحد منهم؟ أم أن الأمن لم يعرف بعد من هم هؤلاء العربان على الرغم من أن الرهبان أدلوا بأوصافهم وأسمائهم.

 أما سؤال الكاتب: «أين تسامح رجال الدين بالتنازل عن الأرض المتنازع عليها؟»، فهو يعنى ضمناً أن الرهبان أصحاب أرض ويطلب منهم التنازل عن تلك الأرض تسامحاً.. إن التسامح يكون بداية رغبة من الرهبان وليس فرضاً عليهم، فهم فى النهاية من رعايا الدولة لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات ما أقره القانون، وإلا طالبنا كل رجل دين طرفا فى نزاع أن يتنازل عن حقه تسامحاً، وتنازل الرهبان هنا لا يكون تسامحاً ولكنه إذعان لأنهم لم يصبحوا قادرين على المنح والتنازل، فالتسامح يكون من موقف قوة لا من موقف ضعف وإذعان، فكان أولى بالكاتب أن يطالب بعودة الأرض وهى حق للرهبان أولاً، وبعد ذلك يتسامحون أو لا يتسامحون فهذا شأنهم وحدهم.

النضج الديمقراطى والقس المتهم
يحلو لى هنا أن أربط بين الفقرة الثانية من المقال المشار إليه والفقرة السابعة من نفس المقال نفسه، فالكاتب يعيب على البابا أثناء سؤاله عن البابا القادم أنه قال «علقت فى ذاكرتى من كتاب قديم مقولة نعطى الديمقراطية للشعب بمقدار نضجه».. ويعلق الكاتب على المقولة بقوله: «وهو- يقصد البابا- فى ذلك يدين نفسه وكنيسته، فأحد أدواره أن يساهم فى نضج الأقباط وتعريفهم بأهمية دور البابا ومنصبه وطريقة اختياره بدلاً من انتظار أن ينضج المسيحيون على نار هادئة»، والحقيقة هنا التى لا تقبل النقاش هى أن الشعب المصرى كله ليس لديه نضج سياسى، وليس أدل على هذا من عزوف المواطنين عن ممارسة حقوقهم الانتخابية وهو أبسط علامات النضج السياسى، فنسبة الذاهبين إلى صناديق الاقتراع فى أى انتخابات لا تتعدى 30% تزيد أو تنقص قليلاً فى بعض المناطق، والكنيسة ما هى إلا جزء من المجتمع، فالنضج الديمقراطى والسياسى ليس مسئولية رجال الدين، فقد يساهمون فيه، ولكنه يكون فى النهاية مسئولية الجماعة الوطنية كلها. وسوف أدلل على هذا بما جاء فى الفقرة السابعة من المقال والتى تخص القس المتهم فى جريمة تزوير، ولن أناقش واقعة التزوير هنا، فأنا أتفق مع الكاتب فى أن القضاء كفيل بها، ولكننى اقتبس قوله «فالواجب يقتضى محاكمة القس كنسياً، لخروجه عن واجبات وظيفته الدينية بإثارة الفتنة والتغطية على تنصير فتاة مسلمة.. وهو يعلم بذلك بل وتزويجها لشاب مسيحى».. لقد دمج الكاتب ثلاثا من أخطر القضايا فى جملة واحدة، وهى الواجب الدينى لرجل الدين المسيحى، والفتنة الطائفية، والتنصير.. ليخرج علينا بما مؤداه أن التنصير جريمة تؤدى إلى فتنة طائفية يجب أن يعاقب فاعلها، فالواجب الدينى ليس للكاهن فقط بل كل مسيحى هو التبشير بالمسيحية، والتبشير لا يعد من الجرائم الجنائية بل إنه حق دستورى، فالدستور يكفل للجميع حرية الرأى، والتبشير ما هو إلا عبارة عن تعبير لطائفة من الناس عن رأيهم وقناعتهم الدينية، مثله فى ذلك مثل الدعوة الإسلامية، كما أن التنصير واعتناق المسيحية هو أيضاً حق دستورى لأن الدستور يكفل حرية العقيدة، كما أن المسيحية ليست بالفكر الذى يهدد السلام الاجتماعى لأنها ديانة من الديانات السماوية، والشريعة الإسلامية- المرجع الرئيسى للدستور- تضمن بل تحرص على حرية العقيدة إلى أبعد الحدود، فمن أراد أن يؤمن فليؤمن ومن أراد أن يكفر فليكفر، فالواجب الدينى للكاهن هنا من صميمه هو التبشير والتنصير، فلا يعقل أن يأتى شخص لكاهن يريد اعتناق المسيحية فيزجره وينهره، وبالتالى لم يرتكب الكاهن ما يمكن أن يراجع بسببه أو يحاكم عليه، أما عن واقعة التزوير ولنفترض جدلاً أنه قام بها من أجل تزويج مسيحية متنصرة من مسيحى، فلو أن هذه المسيحية استطاعت توفيق أوضاعها الإدارية والقانونية بإثبات ديانتها المسيحية وهو حق قانونى ودستورى لما لجأ الكاهن إلى ذلك، ولكن لماذا لم تستطع تلك الفتاة أن تفعل ذلك؟ والإجابة واضحة، أن الدولة لا تستطيع أن تفعل ذلك رغم قانونيته، لأننا مجتمع غير ناضج ديمقراطياً يرى أن تغير شخص لدينه هو انتصار لدين على دين، وحرص البابا على أن يكون انتخاب البابا القادم من الصفوة الواعية من الأقباط هو ليس بالحل الأمثل ولكنه أفضل الحلول بدلاً من ترك الأمر فى يد العامة التى لا نعرف كيف سيتكتلون ويفرزون لنا بطريركاً غير مناسب، وتاريخ البطاركة ممتلئ بمثل هؤلاء.

تعداد الكنائس
لم يتهرب البابا من الإجابة عن تعداد الكنائس كما ذكر الباشا ولم يطالب بكوته معينة من الكنائس، ولكنه لم يشأ أن يثير المشاكل حول هذا الموضوع خاصة إذا ما عرفنا أن تعداد الكنائس على أفضل التقديرات هو 2000 كنيسة، فإذا ما كان تعداد الأقباط 12 مليونا كما ذكر البابا فيصبح نصيب كل 4000 قبطى كنيسة فى مقابل مسجد لكل 700 مسلم، فى حين أن أكبر الكنائس لا يتسع لأكثر من 500 فرد باستثناء الكاتدرائية المرقسية، وهنا نكون فى حاجة إلى ثمانية أضعاف الكنائس الموجودة، وهو الأمر الذى يمكن أن يستغله الكثيرون فى مهاجمة الدولة، ونختلف مع الكاتب فى أن البابا أنكر النهضة البنائية فى بناء الكنائس فى السنوات الأخيرة بحثاً عن المزيد، فهناك انفراجة فى بناء الكنائس ولكنها لم تصل إلى مستوى النهضة البنائية، كما أن البابا لو كان يبحث عن المزيد من الكنائس لذكر ما ذكرناه من إحصائيات.

زغلول النجار ووفاء قسطنطين
أغرب ما جاء بالمقال هو تحليل الكاتب لتصريحات البابا حول موضوع وفاء قسطنطين، فحقيقة الأمر فى موضوع وفاء قسطنطين هو أنها الزوجة الشابة التى عجز زوجها الكاهن عجزاً أصبح معه دائم الشك فى تصرفاتها فاستحالت عشرتها معه، ولما رفضت الكنيسة تطليقها، أبدت رغبة فى اعتناقها الإسلام، هرباً من جحيم الزوج، ثم عادت وعدلت عن رغبتها هذه، فهى ليست بالمسيحية المتدينة ولا بالمسلمة التى انشرح صدرها، ولكنها وقد أقرت بقاءها على دينها فهى بمشكلتها تخص الكنيسة، والكنيسة لا تقتل وليست فى حاجة إلى قتلها بعد أن هدأت الأمور واستقر حالها، ولكن أن يطلب من الكنيسة ومن البابا الامتثال لرغبة «زغلول النجار» المعادى صراحة للكنيسة والذى ينتهز أى فرصة للسخرية من المسيحية والكتاب المقدس والذى وصفه كاتب المقال نفسه بأنه من مثيرى ثورة الفتنة فهذا غير مقبول على الإطلاق، فبدلاً من أن يبحث الكاتب عن آليات يمكن من خلالها التواصل الفكرى والبناء مع من أسماهم بمثيرى الفتنة فها هو ذا يطلب من الكنيسة الرضوخ لمطالب مثل هؤلاء، وأعتب على الكاتب هنا إلصاق الفتنة بالكنيسة فى أكثر من موضع فى المقال، وخلاصة المقال يظهرها الكاتب فى نهاية مقاله وهو الدفاع عن منظومة الأمن، ويعتب على البابا انتقاده للأمن فى كثير من المواضع، وكنت أتمنى أن يكون الكاتب محايداً فى تقييم دور الأمن، فالأمن قائم عليه بشر لا آلهة، فهم يصيبون ويخطئون، وانتقاد تصرفات بعينها لا ينسحب على الجهاز الأمنى كله ولا يشكك فى المنظومة الأمنية ولكن الكاتب أراد عصمة الأمن، أخيراً..
إلى متى سيظل الملف القبطى شأناً أمنياً؟ وإلى متى يتم اختزال كل الأقباط فى شخص البابا؟ وإلى متى تتبرأ الدولة من رعاياها الأقباط وتلقى بتبعيتهم إلى كنيستهم، أما آن الأوان لتبحث الدولة عن ابنها الضال.
 

Satellite 

Limo Service 

Accountant 

Shatafa
Great Gift for Christmas and Holiday
480-361-3459