حكايات الاحتلال وتصحيح بعض المفاهيم (3)
GMT 17:00:00 2008 السبت 6 سبتمبر
عادل جندي

العباسيون

هاهم العباسيون قد ملكوا بمساعدة المصريين، فماذا حدث؟
يقول ساوري: [[وكان مروان قد أحرق الكتب وحساب الدواوين. وتولي علي مصر أبو عون (ابن عبد الملك بن يزيد). وبعد قليل وصل رجلان من أصحاب الدواوين من عند الملك؛ عطا بن شرحبيل وصفي، وكانا بعيدين عن معرفة الله (= قليلي الرحمة) وأعادا حسابات مصر إلي ما كانت عليه مع مروان. وأعطيا السلطان ليفعلا ما أرادا، من أجل بغضهما لنا نحن النصارى ومحبتهما للفضة. وكانت عوائد مصر بعد إقطاعات الأجناد ونفقات دار السلطان وما يحتاجه لتدبير المملكة وكل ما يفضل يحمل لبيت المال في كل سنة مائتي ألف دينار]].
[[وفي ثالث سنة من مملكة الخرسانيين، ضاعفوا الخراج وأكملوه على النصاري ولم يوفوا لهم بما وعدوهم. وكتب عبد الله الملك (الخليفة، الشهير بالسفاح) إلي جميع مملكته أن كل من يصير على دينه ويصلي كصلاته يكون بغير جزية. فمن عظم الخراج والكلف عليهم أنكر كثير من الأغنياء والفقراء دين المسيح (*). فمضى الأنبا خائيل إلي أبي العون الوالي وخاطبه بسبب البلايا التي فعلت بمصر بعد فعل الخير الذي أضمره (وعد به)، فقال له: الملك أمر بذلك لأن قوم سوء قالوا له إن وجد أهل مصر راحة سنة واحدة نافقوا عليك وحاربوك كما حارب البشامرة مروان. فسأله أن يفعل خيرا مع بيع (كنائس) الاسكندرية في خراجها، فطلب إلي كاتبيه أن يفعلا فلم يقبلا وكانا يـُميلان قلبه للسوء]].
(*) في نفس الوقت، ولتعويض النقص في الجباية الناشيء عن التحول، تم التشديد على ضرورة المحافظة على مستوى الإيرادات عن طريق زيادة الجزية والخراج على من لم يتحولوا؛ مما زاد الأعباء على هؤلاء وبالتالي ضاعف من الضغوط، ودخل القبط في حلقة جهنمية مفرغة.
 

8ـ وفي السنوات 767 حتى 799 لا يذكر ساوري من الأحداث ما يخرج عن "المعتاد" من المضايقات والوشايات. وبعدها سمح الوالي للأنبا مرقس 49 (799ـ819) بعمارة الكنائس التي كانت قد هدمت في فسطاط مصر (مصر القديمة).
[[بعد ذلك دخل إلي الإسكندرية قوم يسمون الأندلسيين ومعه كثير من جزائر (بلاد) الروم واستمروا علي هذا من مصر ينهبون ويجلبون السبي (النصاري) إلي اسكندرية ويبيعونهم عبيدا، فحزن الأنبا مرقس لبيعهم الأنفس مثل الغنم ويسلم (يدخل الإسلام) منهم كثيرون. ومما كان في قلبه من الرحمة كان يشتري منهم مثل رهبان وقساوسة وشمامسة وعذاري وأمهات أولاد، وكان إذا اشتري شخصا كتب له صك عتقه لساعته (...)]] ثم يصف ساوري قتال القراصنة الأندلسيين وغيرهم والفوضي التي عمت البلاد ويقول [[وقتلوا كل من لقوه من أهل البلد من المسلمين والنصاري واليهود]].
[[وفي ذلك الزمان نزلت علي برية وادي هبيب (شيهيت، وادي النطرون) بلايا عظيمة إذ نهبها العرب وأسروا الرهبان وهدموا البيع والقلالي فتشتت الشيوخ القديسون في كل موضع من الأرض]].

9ـ وفي أيام الأنبا أبا يعقوب البطريرك الخمسون (819ـ830) [[أنفذ الوالي عبد العزيز الجروي للبطرك إنسانا ليجعله أسقفا، فلم يقبل أن يخرج عن قانون البيعة. فكتب له (مهددا) أنه يهدم جميع البيع ويقتل الأساقفة في كل موضع ما لم يجتمع به البطرك (*). (ثم) سقط عليه (الوالي) حجر فمات وتولي بعده ابنه علي فأعاد الرخاء لاسكندرية بعد موجة غلاء فاحش. وعاد رهبان أبي مقار إلي ديرهم]].
(*) ليس فقط لم يكن مسموحا للقبط باختيار وترسيم بطريركهم إلا بموافقة الحكام؛ بل ها هم الحكام يحاولون فرض من يريدون ـ وهو ما يخالف تماما تعاليم وتقاليد الكنيسة...
[[ثم وصل (في 826) إلي كورة مصر أمير (والي) من عند ملك المسلمين، اسمه عبد الله بن طاهر، وكان رجلا خيرا رحوما في دينه محبا للعدل مبغضا للظلم (..) ثم بدأ ذلك الأمير يشدد علي الأب (البطريرك) في طلب الخراج، ولم يكن معه ما يدفع من عدم (أي بسبب فقر) البيعة لكثرة الحروب، وأخرج (أعطي كخراج) أواني البيعة للأمة المخالفة]].

10ـ أما الأنبا يوساب (830ـ849) فقد منع والي الاسكندرية عبد الله بن يزيد رسامته إلا بعد دفع ألف دينار له.
[[وكان متولي الخراج أحمد بن الأسبط وابراهيم بن تميم، ومع ما كان الناس عليه من البلايا، كانا يطلبان الخراج بغير رحمة وكان الناس في ضيق زائد لا يحصى (..) ونزل غلاء عظيم علي كورة مصر حتي أن القمح بلغ خمس ويبات بدينار، ومات بالجوع خلق كثير من النساء والأطفال والشيوخ والشبان ما لا يحصى عدده. وكان متولي الخراج يؤذي الناس في كل مكان، وأكثر النصارى البشموريين كانوا يعذبونهم بعذاب شديد إلي أن باعوا أولادهم (لسداد) الخراج، وكانوا يربطونم في الطواحين بدلا من الدواب ويضربونهم حتى يطحنوا. وتمادت عليهم الأيام وانتهوا إلي الموت (وبدءوا  في أعمال عصيان). وكان في ذلك الوقت (الخليفة) عبد الله المأمون، ابن هارون الرشيد. ولما انتهي إليه حال مصر، أنفذ عسكرا مقدمه (قائده) الأمير الأفشين فقتل (البشموريين) والخوارج من شرقي مصر (و) انتهى إلى المدينة العظمى اسكندرية فأراد أن يقتل كل من فيها من أهلها لأنهم مكنوا العدو من الدخول إلى مدينتهم (فمنعه الله من ذلك). وكان الأفشين يقتل حتى الأبرياء بجريرة المفسدين. وقتل جماعة من أراخنة النصارى في كل موضع. وكان البطريرك حزينا لمشاهدة ذلك، من الوباء والغلاء والسيف]].
[[وتم البشموريون مؤامرتهم وصنعوا لهم سلاحا وحاربوا السلطان و(رفضوا) دفع الخراج (..) وحزن الأب البطريرك على أولئك الضعفاء لأنهم لا يقدرون على مقاومة السلطان (..) فكتب إليهم كتبا مملوءة (تخويفا) ليندموا ويرجعوا عن مقاومة السلطان. ولم يفتر من مكاتبتهم كل يوم وكان يكتب إليهم فصولا من الكتب (من رسالة بولس الرسول). لكنهم أهانوا الأساقفة (الذين حملوا الرسائل). وكتب الأفشين إلي الخليفة (..) فجاء إلى مصر مصطحبا معه بطريرك أنطاكية (بسوريا؛ المتحد مذهبيا مع القبط)، فذهب الأنبا يوساب مع جميع الأساقفة إلي الفسطاط ليسلم عليه (..) وفرح المأمون لما عرف بمكاتباته ليردع البشموريين عن مقاومة أمر الخليفة. وقال: هوذا آمرك أنت ورفيقك (بطريرك أنطاكية) أن تمضيا إلي هؤلاء القوم وتردعاهم ليرجعوا ويطيعوا أمري (..) ففعل البطركان وسارا إلي البشموريين ونصحاهم ووبخاهم فلم يقبلوا، فعادا وأخبرا المأمون فأمر الأفشين أن يسير إليهم بعسكره ويقاتلهم. فلم يقدر عليهم لتحصين مواضعهم، بل كانوا يقتلون من عسكر الأفشين كل يوم جماعة]].
[[وسار المأمون بجيشه وأمر بحشد جميع من يعرف طرق البشموريين من أهل المدن والقري المجاورة، فوصل إليهم (الجيش) وأهلكوهم وقتلوهم بالسيف ونهبوا وخربوا مساكنهم وأحرقوها بالنار وهدموا بيعهم (كنائسهم). ولما رأي المأمون كثرة القتلى أمر العسكر أن ترفع السيف والذي بقي منهم أسره إلي مدينة بغداد من الرجال والنساءّ (*)]].
ولما عرف (؟) بطريرك أنطاكية أن سبب الثورة كان ظلم متولي الخراج [[تقدم للمأمون وقال له (بسبب الثورة)، (..) فلما سمع منه قال له اعف نفسك ولا تقم بمصر بعد هذه الساعة، فلو سمع أخي (ابراهيم المعتصم، الذي ملك بعده) ذلك لقتلك لأن جباة الخراج كانوا من عنده (..) فسار من مصر فورا. ولما سمع ابراهيم بما قال غضب جدا. ولما توفي المأمون وجلس ابراهيم (المعتصم) أخوه، هرب (بطريرك أنطاكية) حتى عاهده أنه لا يقتله]].    
(*) تذكر بعض المصادر أن البشموريين الذين أُسروا تم توطينهم في مستنقعات الأهواز (شط العرب) في جنوب العراق ليصلحوا أرضها وذلك في ظل ظروف مناخية سيئة وأمراض الملاريا (..) ولعل بقاياهم شاركوا في ثورة الزنج.
وجدير بالذكر أنه بعد المذبحة التي قام بها المأمون (بمساعدة، غير مقصودة، من بعض القبط) تقدم إليه أحد كبار القبط وطلب أن يوليه على مدينة بورة (بالقرب من دمياط)، فعرض عليه المأمون اعتناق الإسلام حتى يمكنه أن يعهد إليه بهذه الولاية، فقال له: "لأمير المؤمنين عشرة آلاف مولى مسلم (أي متحولون)، أفلا يكون له مولى واحد نصراني؟" فعهد إليه بالمدينة. (ترتون، أهل الذمة في الإسلام). وتشير روايات تاريخية أن المأمون سأل أحد أصحابه، ويسمى عمرو بن عبد الله الشيباني، عن أصل القبط، فأجابه بأنه يرجع إلى فراعنة مصر القدماء، ثم ذكّره (بسبب شكوى مسلمين ومتحولين) بأن الخليفة عمر بن الخطاب قد نهى عن استخدامهم في أعمال الحكومة والكتابة، فلما عاد المأمون إلى بغداد أمر بعزل جميع الذميين من وظائفهم وسجن الكثير منهم. (ابن النقاش، الذمة في استعمال أهل الذمة).
[[فلما أفاق البطريرك قليلا اهتم بأمر الحبشة والنوبة (..) وكانت الحروب قد قامت بينهم وبين الولاة المسلمين إلى أن تولى ابراهيم (المعتصم) فكتب إلي زكريا ملك النوبة (يطلب منه) خراج أربع عشر سنة سلفت (من العبيد) وإلا نحاربك. وكان كاتب الوالي في الصعيد انسان شماس اسمه جرجه، فكتب إلى البطريرك (ينصحه)، فكتب البطريرك إلى ملك النوبة (..) يقول "وكانت خطيتي تمنعني من أن أكاتبكم لأجل الحروب ومخالفة أهل البشموريين لأوامر الملك إلى أن قتلهم وخرب مواضعهم وهدم بيعهم (..) فيجب يا أحبائي أن تتموا ما يجب عليكم لهؤلاء الملوك (..)”. فلما وصل الكتاب قال زكريا "ماذا أفعل (..) ومن يجمع لي بقط أربع عشرة سنة أنفسا (عبيدا) أنفذهم إليه (المعتصم)"]]. ثم أرسل ولده إلى مصر ثم بغداد فتنازل المعتصم عما مضي من سنين لأجل حضوره وإعلان طاعته.
وبرغم جهود البطريرك في الضغط على ملك النوبة وإقناعه بالخضوع للمعتصم، فقد[[ أنفذ الملك (المعتصم) إلى مصر أن تؤخذ من البيع (الكنائس) في كل مكان الأعمدة والرخام، وكان  (المسئول عن تنفيذ الأمر) نسطوري اسمه العازر (..) ثم وصل إلى (دير) الشهيد مار مينا بمريوط وأخذ ما فيه من العمد والرخام النادر (برغم توسلات البطريرك) وأرسله إلي الاسكندريه لينفذوه إلي مدينة الملك (..) فحزن الأب حزنا عظيما]].
[[وبعد أيام جاء وباء عظيم على البهائم (..) حتى أن لا يقدر أحد أن يمشي في الأزقة إلا بعد أن يسد أنفه من كثرة الجيف، وانقطع الزرع وكانت أرض مصر في حزن عظيم. ثم عاد الوباء على الناس وفنوا (..)]]. وانتهت فترة الأوبئة. 
[[وكان انسان قاض بمصر اسمه محمد بن عبد الله، وكان مخوفا لا يقدر أحد أن يقاوم كلامه لأن كان عند جميع المسلمين مثل الفقيه والإمام وعارف بمذهبهم (ولكنه) يفعل أفعالا مذمومة سرا وكان محبا لشراب النبيذ وسماع الغنى، واقتنى الجواري الحسان وأحب اللذة والزنا بلا خوف من الله ولا حياء من الناس (..) وكان مستمرا على جهله وشتمه (لكل) مذاهب المسيح وفاتح الأب البطريرك عدة مرات ويخزي عليه (..)]].
[[ثم تولى على الاسكندريه (848) مالك بن ناصر الحدر، وكان إنسان سوء ظالما أكثر من الوالي الذي كان قبله (..) فلما كان بعض الأيام ركب وجاء إلى (مسكن) البطريرك ومعه سراري، ثم أنه طاف جميع المسكن حتى انتهى إلى المخدع الذي ينام فيه البطاركة كل زمان، فطرد الأب منه وأدخل سراريه إليه وأكل معهن وشرب ونام معهن فيه، وهو الموضع الممتليء بخورا وطيبا من صلوات البطاركة فحزن الأب وبكى جدا (..) فلما فعل هذه الأفعال الطمثة خرج وعاد إلى موضعه]]. يقول ساوري أنه مرض ذلك اليوم حتى شارف الموت، وكان ينزف ولم يقدر الأطباء على شفائه.
ثم وشي البعض بأن البطريرك [[يكاتب ملوك الروم (الذين) يُنفذون (يُرسلون) إليه مالا كثيرا، فأرسل وأحضر البطريرك واعتقله في موضع ضيق، وعول على عقوبته إلى أن يدفع له ألف دينار (ثم خفضها) إلى أربعمائة دينار، فجمعها تلاميذه فأطلقه (..)]] وفي اليوم السابع مات الوالي.

11ـ وفي أيام الأنبا قزما (851ـ859) ازداد تعسف الوالي بالاسكندرية حتى اضطر البطريرك إلى تغيير مقر كرسيه إلى مدينة دميره، شرقي مصر. [[ثم أن ملك المسلمين جعفر المتوكل (الخليفة العباسي، تولى في 847) أنزل على البيع في كل مان بلايا لا تحصى عددها. وأمر بهدم البيع كلها ولا يكون أحد من النصارى الأرثوذكسيين (الأقباط وأتباع كرسي أنطاكية) والملكيين والنسطوريين ولا اليهود بلباس أبيض بل بلباس مصبوغ ليظهروا في وسط المسلمين. وأمر أن تجعل صور مفزعة على ألواح خشب وتسمر على أبواب بيوت النصارى، وألزم أكثرهم بالإسلام]].
[[وأمر ألا يخدم نصراني في خدمة السلطان بالجملة، إلا القوم المسلمين ومن ينتقل إلى الإسلام (*). ولأجل ذلك قلت المحبة والصبر من قلوب كثير حتى أنهم أنكروا المسيح؛ فمنهم من أنكر بسبب رتبة العالم لمحبتهم فيه، وآخرون لما لحقهم من الفقر. فلما علم السلطان (الذي يقوم بالحكم التنفيذي تحت الخليفة) أنه قد زرع هذا الأمر الطمث (الرديء) في الكورة البرانية، بدأ يبذره في كورة مصر (..) فأنفذ من جهته انسانا اسمه (عنبسه) ابن اسحاق ولاه خراج مصر والولاية، وأمره أن يفعل في بيع مصر والنصارى مثلما فعل بمدينة بغداد والمشرق. فلما وصل بدأ بالنصارى وأنزل عليهم بلايا وأذلهم جدا بأحزان شتى (..) ثم بدأ (يمنع) إظهار علامة الصليب تماما، وجعل يكسر كل صليب في البيع بالجملة (..) وضيق علينا وعلى مذهبنا حتى أن النصارى ما عادوا يتمكنون من الصلاة في البيع إلا بصوت خفي، لا يُسمع من الخارج، ومنعوهم من الصلاة على نصراني إذا مات. وقطع ضرب الناقوس. ثم بدأ يمنع النصارى من القداسات وأن لا يقدسوا جماعة (..) ولم يزل هذا الظالم يثقل نيره على النصارى من شدة بغضه لهم (..) وأخرج النصارى من الدواوين وجعل عوضا عنهم المسلمين. وجعل النصارى واليهود يصبغوا ثيابهم. وجعل على أبوابهم كما في بلاد المشرث صورا مفزعة تشه شيطانا عليها رؤوس كثيرة ووجوه لها نابين راكبة على صورة تشبه خنزير. وأمر ألا يركب نصراني فرسا. هذا فعله (لكي) يخرج النصارى من دينهم. وقوم كثير لم يصبروا (بل تحولوا)]].
(*) كره هذا الخليفة العباسي، كما كره قبله الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز وغيره، استعمال الذميين في أعمال الدواوين، وتقول أحدى المكاتبات إلى عمال (ولاة) الأقاليم: "أما بعد، فإن المشركين نجس حين جعلهم الله جند الشيطان وجعلهم الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فأولئك لعمري مما تجب عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين. إن المسلمين كانوا فيما مضى إذا قدموا بلدة فيها أهل الشرك، يستعينون بهم لعلمهم بالجباية والكتابة والتدبير، فكانت لهم في ذلك مدة، فقد قضاها الله. فلا (عرفتَ) كاتبا ولا عاملا في شيء من عملك (ولايتك) على غير دين الإسلام، إلا عزلت واستبدلت مكانه رجلا مسلما. فإن مَحقَ أعمالهم (هو) مَحقُ أديانهم، فالأولى بهم إنزالهم منزلتهم التي أنزلهم الله بها من الذل والصغار. فافعل ذلك واكتب إليّ كيف فعلت" (ابن النقاش، الذمة في استعمال أهل الذمة، وابن قيم الجوزية، أحكام أهل الذمة ص212).
[[وفي ذلك الزمان تقدم الوالي (عنبسة) بعمل مراكب في سائر البلاد التي على الساحل لأن الروم كانوا قد وصلوا دمياط ونهبوها وأقاموا ثلاثة أيام ومضوا. لأجل ذلك عملت مراكب كثيرة (..) وكانوا يمضون بها إلى بلاد الروم ويحاربونهم. (وكان) ينفق في الأسطول كل سنة مالا كثيرا. أما النصارى (القبط) فإنهم كانوا يسيروهم في المراكب ولا يُدفع لهم ما ينفقوه في طريقهم ولا درهم واحد ولا زاد الطريق بل كانوا يعطوهم جراية من الطعام فقط. وكان الوالي من كثرة بغضته للنصارى يفعل هذا ويحصي البلاد كلها ويجعل على كل ضيعة عددا من الرجال يعمل في الأسطول. وكان لا يعطيهم سلاحا (بل عليهم شراء سلاح) ويتفقد أحوالهم ومن وجده بغير سلاح، أو في سلاحه نقص، يقسو عليه ويغرمه ويأمره بابتياع عدة يقاتل بها. حتى أنهم كانوا يأخذون (أشخاصا) ضعفاء لا قدرة لهم ولا يعرفون صنعة البحر ولا القتال، فكان (بعضهم) يدفعون ما يملكون (لأشخاص يقبلون الذهاب بدلا عنهم). ولما اشتكوا، أمَر (الوالي) أن يُعطى كل واحد من النصارى ديناران، (ولكن كان على الواحد منهم أن يزيد عنها) لمن يقيم بديلا عنه من المسلمين بخمسة عشر دينارا. وكانوا، من الاضطهاد الذي نالهم، يشتهون الموت (..)]].
تبين الفقرة السابقة حركة تجنيد، أو تسخير، الأقباط في الأسطول الحربي دون هوادة وكيف عوملوا بوحشية زائدة تجاوزت حدود معاملة العبيد. ويذكر جمال الدين، حول تجنيد القبط في الجيوش الإسلامية تجنيدا إجباريا مدى الحياة، كيف أن الخليفة الفاطمي المعز استخدمهم في فرقة من جيوشه، بعد احتلال مصر.
ثم استُدعي عنبسة إلى بغداد [[وكان قد تزوج بمصر واقتنى سراري وبنى مساكن ورزق أولادا واقتنى نعما كثيرة لا تحصى، وللوقت أصابه فالج ومات عقب ذلك بأيام قليله]]. 

***
مما سبق، أعلاه والمقالات السابقة (التي استندنا فيها إلى أكثر من ألفي صفحة، راجعناها بالتفصيل)، نلاحظ بعض الإجابات للأسئلة التي اقترحنا في بداية هذه السلسلة محاولة فحصها. ونلفت النظر خاصة إلى:
ـ أنه لا يوجد اختلاف بين الأمويين والعباسيين من جهة الشراسة والجشع والهمجية التي يحسدون عليها...
ـ انفضاح الأكاذيب التي يرددها تلاميذ (عبيد؟) مدرستي "التاريخ المقدس" و "السلف الصالح المقدس" مثل أن "الجزية كانت مبلغا زهيدا" (الحقيقة أنها كانت مبلغا باهظا لا يقدر عليه الفقراء ومعظم متوسطي الدخول)؛ أو أن "الجزية فرضت على أهل الذمة كبديل عن تجنيدهم في جيوش المسلمين" (الحقيقة أن القبط جندوا، بل سخروا، إضافة لدفع الجزية)؛ أو أن سوء معاملة القبط وقهرهم كان استثناء في بعض فترات التاريخ (الحقيقة هي أن العكس هو الصحيح).
ـ أن موقف الكنيسة يبدو ثابتا مع الأيام: رفض العنف كمسألة مبدأ، والخضوع للحكام أيا كانوا. ومع ذلك نرى بوضوح أن الحكام العرب، بكافة أشكالهم، على مدى أكثر من قرنين، لم يكونوا يعبأون إطلاقا بمثل هذه المواقف بل كانوا يعنفون ويبتزون ويفترون كما يشاؤون. بل إنه بين 15 بطريركا تولوا بعد الغزو العربي حتى الأنبا قزما المذكور أعلاه، تم القبض على ستة منهم وسُجنوا وعُذبوا وأُهينوا. (ملحوظة: عندما عزل أنور السادات، قبل شهر من اغتياله، البابا شنودة الثالث ونفاه إلى أحد أديرة الصحراء، ثم أبقاه حسني مبارك منفيا إلى اكتمال أربعين شهرا؛ هل فعلا أكثر من استرجاع تقاليد "أجدادهم" من الولاة؟).

       ***
وإلى حديث آخر

 المصدر ايلاف