برودر: التسامح هو إستمرار العجز بوسائل أخرى
صالح كاظم

GMT 18:00:00 2008 الجمعة 28 نوفمبر

هنريك م. برودر بين النقد الإجتماعي والتعميم:
ملاحظات حول كتابه الأخير: "نقد التسامح المحض"

 صالح كاظم من برلين: يعتبر هنريك م. برودر (1946) من أكثر الكتاب السياسيين الألمان إثارة للجدل، فهو يعتبر من جهة من أكثر نقاد المجتمع الألماني المعاصر حدة، ومن جهة أخرى صديقا حميما ومدافعا مستميتا عن سياسات إسرائيل، غاضا النظر عن الإنتهاكات التي تمارسها تجاه الفلسطينيين في الأرض المحتلة، بل ومشجعا لهذه السياسات ورافضا لأي شكل من أشكال النقد تجاهها. وربما كان هذا، الى جانب نقده اللاذع والعدواني لمن يخالفه الرأي، هو السبب الذي دفعه للدخول في نقاشات حادة مع العديد من الكتاب والناشطين اليهود المعتدلين الذين يتخذون موقفا نقديا من السياسة الإسرائيلية، غالبا ما كانت هذه النقاشات تجد نهايتها أمام المحاكم الألمانية. آخر هذه النقاشات كان مع إبنة رئيس سابق لـ "للمجلس اليهودي المركزي في ألمانيا" هاينتز غالنسكي (توفي في العام 1992)، أيفلين هيشت غالنسكي، حيث لم يمنعه إرث أبيها من أن يتهمها بـ "معاداة السامية"، وذلك بسبب دفاعها عن حقوق الفلسطينين وإدانتها لسياسة الإستيطان في الأراضي الفلسطينية، من منطلق كونها عضوة في حركة "يهود أوربيون من أجل سلام عادل". وكان برودر قد وصفها بـ "ربة بيت هستيرية لا تنطق سوى بعبارات معادية للسامية والصهيونية". ورغم أن غالنسكي ربحت القضية، غير أن برودر أعلن عن أنه سيطعن بقرار المحكمة، لأنه كما قال "لن يسمح لأي كان بأن يمنعه من الكلام، وإلا فسيصبح العداء للسامية ظاهرة مقبولة إجتماعيا.". وهذا ما يعكس سايكولوجية برودر ونزعته الإستفزازية التي تبرز كذلك في مقالاته في مجلة الـ "شبيغل" والصحف الألمانية الأخرى وكذلك في مدوناته على موقعه الخاص في الأنترنيت وفي العديد من الكتب التي أصدرها لحد الآن، وآخرها كتابه "نقد التسامح المحض" الذي جاء مواصلا لنهج الكاتب في "يا للبهجة! لقد أستسلمنا!"، حيث كان يدور في مجمله حول "تراجع الديمقراطياتHenryk Marcin Broder   الأوربية أمام مخاطر الحركات الإسلامية المتطرفة وتقاليد الحياة الإسلامية التي تتناقض مع القيم الأوربية المبنية على خلفية التنوير." في "نقد التسامح" يعالج الكاتب ظاهرة "التسامح" التي تميز، كما يرى، المجتمعات الأوربية الحديثة، عن المجتمعات الأخرى التي لم تمر بالتطور التاريخي الذي حصل في أوربا إثر الحروب العديدة التي مرت بها هذه القارة العجوز، وقد جاء عصر التنوير بنزعته التسامحية في حينها في رأي الكاتب وسيلة لتحقيق السلام الإجتماعي بين مختلف الإتجاهات الدينية، في مجتمع قائم على أسس راسخة فيما يتعلق بقيادة السلطة وإدارة شؤون المواطنين، وهذا ما لاينطبق على "المجتمعات الديمقراطية الحالية القائمة على التعددية والتنوع."
وكما في كتبه الأخرى فأن الكاتب لا يريد الدخول في جدل فلسفي حول مفهوم "التسامح" وأنما يتجه لعلاج شؤون الحياة اليومية والتهديدات التي تواجه المجتمعات اللبرالية التي يجري إستغلال ضعفها لـ "غرض مهاجمتها بأسلحتها."
وللتأكيد على مقولته هذه يجمع الكاتب العديد من الأمثلة التي تجد التعبير عنها في عجز السياسيين والدوائر عن الوقوف بوجه الإنتهاكات والعنف و"عدم التسامح" من قبل بعض أطراف المجتمع، حيث مازالوا يواجهون هذه الظاهر من منطلق "التسامح" بمفهومه القديم، دون الإقرار بحقائق الحياة الراهنة المشروطة بحضور واسع لـ "للمهاجرين" من بلدان خارج أوربا، وعلى الأغلب من البلدان الإسلامية والعربية.             
وتكشف العناوين التي تحملها فصول الكتاب عن التوجهات الواضحة للكاتب في تشريحه للواقع الإجتماعي الراهن في أوربا: "التسامح هو إرادة الضعف"، "التسامح هو إستمرار العجز بوسائل أخرى"..الخ.. ويعتقد الكاتب أن مظاهر عجز المجتمعات الحديثة تبرز بشكل واضح في التعامل مع الإسلام: "الغرب حاليا في موقع الدفاع من الناحية الثقافية، و
حين يجد نفسه عاجزا عن المواجهة يلجأ للتسامح.."، وهو في رأيه هذا ينطلق من كون الإسلام يشكل "خطرا حقيقيا لا يمكن تجاهله" تجاه المجتمعات الحداثية.
وفي هذا الصدد يشير الكاتب الى بعض المظاهر السلبية لـ "تجمعات المهاجرين خصوصا من البلدان الإسلامية" مثل "جرائم الشرف" و"فرض الحجاب على الفتيات القاصرات"، وغيرها ليستنتج من ذلك ضرورة إتخاذ موقف جذري وصريح تجاهها، لكي لا تصبح في النهاية أمورا مقبولة تحت غطاء „التسامح". ويعالج الكتاب الذي يقع في ما يزيد عن 200 صفحة عجز الغرب عن فرض قيمه المثبتة في القوانين والدساتير المختلفة على الأقليات ذات الأصول الأجنبية، وكذلك عجز الحضارة الغربية عن رفض مظاهر التخلف في مختلف أنحاء العالم: "هل وصل بنا الغباء الى درجة القبول بفرض عقوبة السجن على مدرسة بريطانية بسبب موافقتها على أن يطلق طفل صغير على دميته إسم "محمد"؟"
في النهاية يستخلص الكاتب بأنه لا يعتبر "التسامح" سلوكا أخلاقيا، بل "أن عدم التسامح أصبح من ضروريات الساعة." بناءا على ذلك فأنه يدعو، ليس فقط للحذر من "التسلل الخفي" للتقاليد والعادات الغريبة عن المجتمع الحداثي الى داخل هذا المجتمع لتخريبه من الداخل، بل الى مواجهتها بجذرية ورفضها إجتماعيا وسياسيا. ولا شك بأن آراء برودر هذه تلقى صداها في أوساط اليمين المحافظ وكذلك وسط القطاعات الإجتماعية التي دفعتها الأعمال الإرهابية ذات الخلفية "الإسلاموية" الى إتخاذ مواقف متوجسة من الإسلام والمسلمين. وربما يمكن القول بأن كتابات برودر ذات الطابع الإستفزازي المباشر والسطحي تؤكد في النتيجة على صراع الحضارات، وهي من هنا على مسافة كبيرة من مساعي الصلح الإجتماعي والحوار السلمي بين مختلف مكونات المجتمع العلماني المعاصر بهدف التوصل الى صيغة عقلانية للتعايش فيمل بينها.

Satellite 

Limo Service 

Accountant 

Shatafa
Great Gift for Christmas and Holiday
480-361-3459