محنة الهوية المصرية
مجدي خليل

GMT 18:00:00 2008 الخميس 21 أغسطس

على مدى يومى 9و10 اغسطس 2008 كتب السيد الفاضل دكتور محمد منير مجاهد مقالين بجريدة البديل علق خلالهما على محاضرة نيافة الأنبا توماس اسقف القوصية فى معهد هادسون بواشنطن، وقد حمل المحاضرة بأكثر مما تحتمل وكذلك علق على مقالة لى بعنوان " معاقبة الأقباط على وطنيتهم" بطريقة مغلوطة أيضا. وحول ما كتب لى عدد من الملاحظات:

اولا: يستهل د. مجاهد مقالته بتحفظه من الأساس على أن يحاضر الأسقف فى معهد هادسون المعروف بانحيازه إلى إسرائيل على حد قوله، وهى تهمة محفوظة ومكررة، وهو هنا يكرر ما ذكره موقع عربى معدوم المصداقية يبث من واشنطن،وهى معلومات غير صحيحة حيث أن معهد هادسون مؤسسة محترمة يأتى ضمن أهم مركز الدراسات السياسية فى امريكا، وهو معهد يمينى يميل أكثر إلى اجندة الحزب الجمهورى مثله مثل مؤسسة هاريتج  وامريكان انتربرايز وغيرها من المعاهد ذات التوجه اليمينى. وهذه المؤسسات علاوة على تبنيها لاجندة اليمين الاقتصادية فهى أيضا تتبنى أجندة محافظة اخلاقيا يرفضها اغلب اليهود فى امريكا الذين يميلون للمؤسسات المنحازة للحزب الديموقراطى ذات التوجهات الليبرالية. وهناك من المعاهد اليهودية الكثير والتى تعمل وفقا لاجندة واضحة منحازة لإسرائيل مثل منظمة ايباك ومعهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى والمعهد اليهودى لشئون الأمن القومى ومنتدى الشرق الأوسط...الخ.
أما إذا وسعنا القياس فسنتهم الأمم المتحدة والإتحاد الاوروبى ومنظمات حقوق الأنسان الدولية ومؤسسات العدالة الدولية ومعظم المؤسسات والمعاهد الغربية بالإنحياز لإسرائيل والنتيجة المنطقية هى مقاطعة الغرب والعداء للعالم. أما أخطر ما فى هذا الطرح فهو إتخاذ الصراع الفلسطينى-الإسرائلى كمعيار لتقييم كل شئ ومعيار نقيم من خلاله الصالح والطالح، وهذا توجه خطير ومضر جدا بمصالح مصر، وقضية فلسطين ليست هى القضية الوحيدة العادلة فى العالم وأنا مؤمن بعدالتها،ولكن للأسف جزء كبير من التدهور الذى تعيشه مصر حاليا ناتج عن توظيف قضية فلسطين لصالح دعم الإستبداد وإطالة عمر الأنظمة الفاسدة ونشر ثقافة الهوس والكراهية وإلهاء الشعوب وتحويل إتجاه الغضب الشعبى بعيدا عن توظيفه فى تغيير الداخل.
علاوة على ذلك فأن كبار المسئوليين والكثير من الشخصيات العامة المصرية غير الحكومية تتحدث أمام أكثر المعاهد المنحازة لإسرائيل،بل والعلاقة تتجاوز الحديث إلى التنسيق والتعاون فى ملفات محددة،واستطيع أن اسمى عشرات الشخصيات المصرية التى تحدثت أو زارت أو وسطت هذه المعاهد فى السنوات العشر الأخيرة كما تابعتها فى واشنطن.فلماذا فقط عندما يتحدث قبطى أمام معهد مستقل معروف تقوم القيامة فى حين لم نسمع صوتا للإعتراض على كل هذه الشخصيات المصرية التى تتعاون مع معاهد يهودية بل وإسرائيلية فى واشنطن وغير واشنطن؟.
 
ثانيا: يعلق الدكتورمجاهد على عنوان مقالتى" معاقبة الاقباط على وطنيتهم" بقوله " هو عنوان كما نرى يحصر الوطنية وحب مصر أساسا فى الأقباط، ويتضمن أن التمييز الدينى الحادث اليوم-والذى نناهضه-لا يعود لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية يمكن مقاومتها وتصحيحها، ولكن يعود لعقاب ينزله الخونة بالقابضين على جمر الوطنية".
هذه قراءة خاطئة للمقالة وللعنوان وتربص لا مبرر له، من قال لك يا ترى أن معنى ذلك نفى الوطنية عن المسلمين، هل لهذه الدرجة لغتى العربية غير مفهومة؟،أم إنك تتخيل ذلك وتفترضه؟، أم تتنبأ بأن هذا ما اقصده بالفعل؟. لا يا سيدى تحليلك خطأ والمعنى واضح ولا يحتاج إلى قراءة أخرى. لا أحد يحتكر الوطنية التى هى ميراث كل المصريين ونتاج نضالهم المشترك.ومن العبث أن يقول أحد أن المصريين المسلمين الحاليين هم من جاءوا من الجزيرة العربية مع الغزو العربى، فهذا ضد المنطق وضد العلم وضد التاريخ الصحيح، وأنا شخصيا لا يمكن أن أقول ذلك ولم اقله ابدا. وحتى ولو وصفنا أقباط مصر بالمواطنيين الأصلاء والمصريين الحقيقيين فنحن لا ننفى ذلك عن غيرهم وإنما نؤكده بالنسبة لهم، وهو دفاع ذاتى لتشجيعهم على تحمل ما هم فيه من تمييز وإضطهاد نتيجة تمسكهم بدينهم وبهويتهم المصرية.
 ولكن هناك هجوم وعقاب للأقباط على وطنيتهم من اناس جهلة ومتطرفين وليس من شخصيات وطنية مثلك ومثل الكثير من المسلمين المنصفين المؤمنيين بوطنهم،وانا اربا بك أن تدافع عن هؤلاء المتطرفين والغوغاء.
أما تحليلك للتمييز الدينى الذى نقاومه فهو مبنى على القراءة الخاطئة السابقة، وانا أتفق معك فى اسبابه ولكنك نسيت أهم سبب للتمييز الدينى، وهوالسبب الدينى الناشئ عن الإختلاف فى الدين، وإعلاء الدين على الوطن، وغياب القوانيين التى تنتصر للمواطنة، والتخطيط المنظم من الحكومة ومؤسسات الدولة لنشر هذا التمييز،بل وإنتصار الدولة ومؤسساتها للدين على حساب الوطن...وكل هذا يصب فى معاقبة الأقباط على وطنيتهم من هؤلاء الذين لا يعرفون معنى للوطن وللوطنية، ولهذا تراجع التمييز الدينى فى فترات المد الليبرالى وفى فترة إحياء الوطنية المصرية وفى فترات مقاومة العدو الخارجى، بل ونجد رواد القومية المصرية من لطفى السيد إلى فرج فودة كلهم كانوا ضد التمييز الدينى وعملوا على محاربته، رأيت كيف أن إحياء الوطنية المصرية يصب فى مقاومة التمييز الذى هو أساسا إستعلاء دينى فى مواجهة الآخر المختلف دينيا وإبراز ورقة الدين للحصول على ميزة لا يستحقها فى مواجهة الآخر الدينى.

ثالثا: يقول الدكتور مجاهد أن أطروحات الأسقف تجد صداها فى كتابات بعض الأمريكيين من أصل قبطى ومنهم كاتب هذه السطور على حد قوله.
وفى تصورى أن التوفيق خانك تماما فى هذه العبارة ولا اعرف ماذا تعنى بأمريكى من أصل قبطى، هل تقصد أمريكى من أصل مسيحى؟،إذا كنت تقصد هذا فالجملة لا معنى لها تقريبا.أما إذا كنت تقصد من أصل مصرى فنحن أقباط مصريون، وهذه الجملة فى هذه الحالة لا تصلح هكذا ولا تليق فى حديث مصرى على أرضية مصرية وفى صحيفة مصرية. يقال أمريكى من اصل مصرى هنا فى أمريكا باعتبار الجنسية مكتسبة أما فى بلادهم الأصلية فلا يقال لهم هكذا ولا يليق. هل تقول عن رئيس الوزراء المصرى الكندى أنه من أصل مصرى مثلا، وهل تقول عن وزير الإسكان المصرى –السعودى أنه من أصل مصرى( ويقال أنه قد كان تخلى حتى عن جنسيته المصرية)، ونصف مجلس الوزراء تقريبا يحملون جنسيات غربية،والكثير من رجال الأعمال يحملون جنسيات كندية، والغالبية العظمى من اولاد المبعوثين لامريكا ولدوا هنا وحصلوا على الجنسية الامريكية، وابناء واحفاد الكثير من كبار كبار المسئوليين فى مصر يحملون الجنسيات الغربية وخاصة الامريكية، وحتى منى ابنة عبد الناصر،الذى هيج العداوة ضد الغرب ووضد أمريكا أتضح إنها تحمل الجنسيتين البريطانية والكندية علاوة على جنسيتها المصرية.
نحن نحمل جنسيات اجنبية ومصر تعيش فى اعماقنا وفى نفس الوقت نحترم ونقدر البلد الذى منحنا جنسيته ونحترم ثقافته ونلتزم بقوانيينه، وغيرنا يحمل جنسيات هذه البلاد ويكن لها الكراهية وبعضهم يتآمر عليها وفى نفس الوقت ليس لهم إنتماء حتى لبلدهم الأصلى فهم مشتتوا الإنتماء، هؤلاء هم الذين يعلون الدين على الأوطان.

رابعا: قلت فى مقالتى أن محاضرة الأنبا توماس تمثل قراءته الشخصية للتاريخ ولا تعبر عن رأى الكنيسة ولا عن رأى أحد سواه وهناك من يتفق معه فيها وهناك من يختلف. المسألة تتعلق بالإرهاب الفكرى الذى مورس عليه والسبب معلوم وهو إخراس أى صوت قبطى حتى لا يتجرأ على الثوابت الإجبارية المزيفة والتى فرضت على المصريين كلهم خلال قرون طويلة تحت ظل دولة الخلافة، ودول المرتزقة الذين جاءوا إلى مصر من كل حدب وصوب وكان همهم الأول السلب والنهب والغنائم والفئ وجمع السبايا والغلمان، والتى تجرأ عليها المصريون من دعاة القومية المصرية خلال عصر النهضة المصرية وعلى راسهم أساتذتنا لطفى السيد وطه حسين وعلى عبد الرازق وسلامة موسى وحسين فوزى ولويس عوض وغيرهم الكثيرين.يقول البرت حورانى فى كتابه القيم " الفكر العربى فى عصر النهضة"،  " كان التيار الرئيسى للقومية المصرية فى عصر النهضة فرعونيا أو متوسطيا ولم يكن عربيا" (ص321). وعن احمد لطفى السيد كتب البرت حورانى" لا يحدد لطفى السيد الأمة على أساس اللغة أو الدين، بل على أساس الأرض. وهو لم يفكر بأمة عربية أو إسلامية بل بأمة مصرية... وقد ذهب إلى أن الأمة الإسلامية ليست قومية حقيقية، وأن الفكرة القائلة بأن أرض الإسلام هى وطن كل مسلم إنما هى فكرة إستعمارية تنتفع بها كل أمة استعمارية حريصة على توسيع رقعة أراضيها ونشر نفوذها... ولم يكن لطفى السيد يعتبر المصريين جزءا من الأمة العربية"(ص 184،185،186).

وهناك سجالات منشورة بين السورى ساطع الحصرى وطه حسين حول القومية العربية والقومية المصرية..واستطيع أن انقل عشرات الصفحات فى هجاء العروبة دونها دعاة القومية المصرية من المسلمين والمسيحيين، ولهذا نحن نسير على هدى اساتذتنا رواد عصر النهضة وما قاله الأنبا توماس لا يمثل سوء جزء يسير مما تركوه من تراث بالغ الوطنية.

المشكلة الأساسية كما يقول البرت حورانى "العرب لم يكن بإمكانهم فصل القومية عن الإسلام بالقدر الذى فعله الأتراك،فالإسلام كان من فعل العرب فى التاريخ، وهو الذى بمعنى من المعانى، قد صنعهم ووحدهم وأعطاهم شريعتهم وثقافتهم".
والمشكلة الأخرى أن كثير من المستعربين فشلوا فى هذا الفصل بين الدين والعروبة كما فعل الفرانكفونيون والكومنولثيون، فنحن اربفون،أى متحدثون بالعربية، ولسنا عربا... مثلنا مثل المستعمرات الفرنسية والإنجليزية السابقة المتحدثة بالفرنسية والانجليزية.
وللأسف عاد الإرهاب مرة أخرى من خلال الفاشية العسكرية والدينية التى اجتاحت مصر منذ عام 1952 وحتى الآن ليكمموا الأفواه وليؤسسوا لعودة الدولة الدينية العسكرية الفاشية الأمنية، وخبت القومية المصرية، وعاد المجتمع مرة أخرى لإجترار أفكار عصر الإنحطاط.

خامسا:عندما ندرس تاريخ الغزو العربى لمصر وللمنطقة وما رافقه من قتل وسلب ونهب وإذلال واكتمل فى تاريخ ما سمى بالخلافة الإسلامية علينا ان نختار بين أمرين، إما أن نقول أن هذا هو الإسلام كما تقول بعض الجماعات الإسلامية الإرهابية حتى اليوم فى تبريرها للعنف أو نقول أن الدين استخدم فى تحقيق أغراض سياسية ليس لها علاقة البتة برسالته كما قال عشرات المفكرون، ومن هذا المنطلق ليس مقبولا أن نجاح العرب فى تغيير اللغة القومية بالبطش والقوة وفرض ثقافتهم ودينهم على المصريين أن المصريين أصبحوا عربا،أو نقول نحن عرب وننسى ما فعله العرب فينا...هذا طرح غير مقبول وغير منطقى ولن نقبل به حتى ولو استمر مئات السنيين والزمن فى صف الحقيقة، فالخطأ خطأ ولو كرره الف شخص كما قال سقراط.
يقول جاك تاجر فى دراسته المتميزة " أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى إلى عام 1922"، " أن العرب لم يكتفوا بفتح مصر بل ارادوا احتلالها وإستعمارها" (ص302). ويلخص جاك تاجر مأساة الأقباط وإستغلال الدين فى إضطهادهم بقوله " لم يتذكر الولاة الشريعة والفقه إلا إذا ارادوا البطش بالإقباط سواء برغبة منهم أو بتحريض من الرأى العام". وبعد مئات السنيين من الإضطهاد والقتل يواصل جاك تاجر تقييمه للوضع بقوله " أن الحكام يمكنهم إبتزاز أموال الأقلية بسهولة دون أن يخشوا قيامها باية حركة ثورية جديدة،فرتبوا مصير الأقباط حسب هواهم أو هوى الشعب"، وهو الوضع المستمر حتى الأن.


يقول بن عبد الحكم أن المقوقس قال للمصريين " أطيعونى وأجيبوا القوم إلى خصلة وأحدة من الثلاثة،فقالوا وأى خصلة نجيبهم عليها، فقال تدفعون الجزية، فقالوا فنكون عبيدا لهم، فقال خير من أن تموتوا عن أخركم وتكونوا عبيدا تباعوا وتمزقوا فى البلاد مستعبدين أنتم وذريتكم"(ابن عبد الحكم ص100)..
 ويقص ابن عبد الحكم علينا   " كتب حيان إلى عمر بن عبد العزيز يسأله أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم. فسأل عمر عراك بن مالك، فقال عراك ما سمعت لهم بعهد ولا عقد وإنما أخذوا عنوة بمنزلة العبيد".
 ويقول بن النقاش عن تعليمات الخليفة عمر بن عبد العزيز " لا اود أن يخبرنى أحد بأن واليا ترك فى ولايته عاملا يدين بعقيدة غير العقيدة الإسلامية،وإنى سأقيل هذا الوالى فى الحال،وأنه من الواجب علينا أن نبعد الذميين من الوظائف كما أنه من الواجب علينا أن نقضى على دينهم، فليخبرنى كل وال عما فعله فى ولايته".(ص106).

ولهذا يقول احمد صبحى منصور فى بحث له بعنوان" اضطهاد الأقباط فى مصر بعد الفتح الإسلامى: رؤية إسلامية"، "خلال إثنى عشر قرنا من الزمان كان إضطهاد الأقباط فيها سمة بارزة تحتاج إلى مجلدات لرصدها".
هذا جزءا يسيرا مما فعله العرب باجدادنا المصريين

فهل قاوم الأقباط العرب؟
على مدى قرن كامل لم تهدأ ثورات الأقباط ضد الغزو العربى وقد قامت خمسة ثورات مصرية كبرى ضد الغزاة ما بين سنة 739 ميلادية و 773 ميلادية. ونشبت أكبر ثورة مصرية عام 831 أيام خلافة المأمون والتى سميت بثورة البشموريين وخرج فيها الكثير من المصريين مسلمين ومسيحيين كما يصف ذلك المقريزى ذاته فى خططه بقوله "ولما كان جمادى الأولى سنة 216 هجرية، انتفض أسفل الأرض بأسره عرب البلاد وقبطها وأخرجوا العمال وخلعوا الطاعة لسوء سيرة عمال السلطان فيها فكانت بينهم وبين عساكر السلطان حروب"( ص79-89).وجاء المأمون على رأس جيش كبير وقتل من المصريين عشرات الألاف ورحل حوالى ثلاثة الأف من البشموريين إلى العراق مات أغلبهم فى الطريق وما بقى منهم بيعوا كعبيد ويعلق المقريزى على ذلك " ومن حينئذ أذل الله القبط فى جميع اراضى مصر وخذل شوكتهم فلم يقدر أحد منهم على الخروج ولا القيام على السلطان".
ومن يريد أن يعرف أكثر عن ما فعله العرب والخلفاء بالمصريين احيله إلى المراجع الإسلامية الكبرى مثل كتاب فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم،النجوم الزاهرة فى أخبار مصر والقاهرة لابن تغرى بردى،كتاب فتوح البلدان للبلاذرى،الكامل فى التاريخ لابن الأثير،كتاب صبح الأعشى للقلقشندى،البداية والنهاية لابن كثير،كتاب الولاة وكتاب القاضى للكندى،تاريخ الأمم والملوك للطبرى، كتاب الخراج لأبى يوسف،مروج الذهب للمسعودى،ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسى،تبر المسبوك فى ذيل السلوك للسخاوى،تاريخ مصر لابن إياس،تاريخ مرعى بن يوسف الحنبلى، المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار للمقريزى،السلوك فى معرفة الملوك للمقريزى،مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار لابن فضل الله العمرى،الرسائل لابن الصرفى،مقدمة بن خلدون،سيرة احمد بن طولون للبلوى،وزاد المعادن لابن قيم الجوزية، وأحكام آهل الذمة لابن قيم الجوزية، سراج الملوك للطرطوشى،تاريخ دمشق لابن عساكر،كتاب الاتقان للسيوطى،.... هذا بالاضافة إلى مئات الكتب الأجنبية والمسيحية التى تناولت بالتفصيل معأناة المصريين تحت الحكم العربى وحكم الخلافة.

إن التاريخ المصرى الحالى المزيف الذى يمجد الغزو العربى لم يذكر لنا شيئا عن تضحيات المصريين هذه، وبدورى اتسائل ما هو الوصف لهؤلاء المصريين الذين قتلوا أو ذبحوا وهم يدافعون عن وطنهم؟ هل هم شهداء للوطن ام خونة؟. وهل يليق أن نسمى أحد أهم شوارع القاهرة باسم الخليفة المأمون؟ هل يتخيل أحد أن يسمى شارع هام فى غزة باسم أريل شارون؟، وهل مجرد قبول الإسلام يعنى محو الذاكرة الوطنية المصرية أو تزييفها؟.
إن الخلافة الإسلامية والتى عانى منها المصريون جميعا كانت قمة الفساد والإستبداد فلماذا يدافع عنها الكثيرون حتى الآن ويقدموها على مصريتهم وتاريخهم القديم المجيد؟، ولماذ الم تحدث مقاومة تذكر للغزاة على مر التاريخ طالما هم مسلمون فى حين يفتخر كتبة التريخ المصرى بمقاومة الصليبيين والفرنسيين والانجليز؟.

يقول سعيد العشماوى عن الخلافة الإسلامية " هي الخلافة التي أطارت من رؤوس المسلمين أضعاف أضعاف ما أطارت من رؤوس أعدائهم.
هي الخلافة التي قُتِلَ فيها ثلاثة من الخلفاء الراشدين وعُذّبَ فيها الأئمة الأربعة. هي الخلافة التي حدثت فيها الفتنة الكبرى، وموقعة الجمل، وواقعة كربلاء، وموقعة الحرة، ومظالم الأمويين وغير الأمويين، وضرب الكعبة بالمنجنيق مرتين، واستباحة دماء وأموال وأعراض المسلمين، والصراع بين الأمويين والهاشميين، ومحنة خلق القرآن، والحروب بين طلاب السلطة، وهدم قبر الحسين، ومذهب الخوارج، والمذهب الحربي، وأعمال الحشاشين، وآراء القدرية، وأفعال القرامطة، وتفسيرات الباحثة.

هي الخلافة التي انتشر فيها شرب الخمر والتشبيب بالنساء حتى في موسم الحج واللهو واللعب، والغناء والرقص، والتخنيث واللواط. وامتلأت بغداد بالمواخير وبيوت الدعارة وأماكن الفسق ومحال القمار ودور الغناء. وامتلأت مكة أرض الحرمين بالمغنيين والمغنيات بما صاحب ذلك ولزم عنه من حواشي الفساد. وكان للرشيد زهاء ألف جارية وللمتوكّل أربعة آلاف جارية وكانت الجواري تُفضّل على الحرائر، ووصل الأمر أن جارية مخمورة تصلي بالمسلمين وأن يجاهر الخلفاء بالفسق والزندقة والفجور" (راجع سعيد العشماوي الخلافة الإسلامية).

وبصراحة أكثر لو نجح بن لادن فى احتلال السعودية منطلقا من افغانستان ومن بعدها إحتلال المنطقة وإعادة الخلافة الإسلامية لرفعه كثير من المسلمين لمرتبة القداسة وسموه امير المؤمنين خليفة المسلمين. الم يصف الشعراوى الملك فهد بأنه ظل الله فى الأرض؟ الم يصف القرضاوى مرارا الطالبان بالإمارة الإسلامية؟ الم يصف صلاح ابو اسماعيل ومحمد الغزالى جعفر النميرى بأمير المؤمنيين وههلوا لتطبيق الشريعة هناك؟ الم يهلل الكثيرون لولاية الفقيه فى ايران؟.

سادسا: المشكلة الأخرى إننا نتناول تاريخ مزيف كتبه المنتصر ليس فقط فى التاريخ القديم ولكن فى وقائعه الحديثة، فحتى الآن يدرس التلاميذ " الفتح العثمانى لمصر"!!، مغلفين العربدة العثمانية بمسحة دينية. ودرسنا أيضا فى كتب التاريخ أن نابليون سلط مدافعه تجاه انف ابو الهول فكسره، رغم أن المقريزى يصف لنا بالتفصيل ان هذا الفعل قام به الشيخ صائم الدهر حيث قام بتحطيم سرية ابو الهول وإزالتها وتكسير انف ابو الهول.
ونخون الجنرال يعقوب الذى حاول أن يحمى الأقباط من الفتك بهم من الغوغاء وكان لديه خطة لإستقلال مصر كما كتب المؤرخ المصرى شفيق غربال وفى نفس الوقت نبجل مصطفى كامل الذى كان يدعو للجامعة الإسلامية وبقاء مصر محتلة من العثمانيين وكان يقول" إن بقاء الامبراطورية العثمانية أمر ضرورى للجنس البشرى، وأن على المسلمين أن يلتفوا حول عرش السلطان،وأن هذا الإلتفاف مهم لمصر بنوع خاص"( البرت حورانى ص 210).
وهناك آلاف الأحداث القديمة والحديثة المزيفة لصالح الغزاة او لصالح دين الأغلبية وما يقال حاليا عن الأقباط فى الخارج وشيطنتهم وتخوينهم ما هو إلا حلقة فى هذه السلسلة الجهنمية من التزييف المتعمد والإغتيال المعنوى..

سابعا: للأسف هناك علاقة بين تشابك اللغة والدين والهوية والإنتماء للعروبة وبين وضع غير المسلمين وحقوقهم. وبصراحة أكثر كل من يؤمن بأن مصر دولة إسلامية وأن الإسلام دين ودولة هو يقف حتما ضد حقوق غير المسلمين، ببساطة لإستحالة تحقيق المساواة بين المسلمين والأقباط على أرضية الدولة الإسلامية، وأى كلام خلاف ذلك هو لغو لا قيمة له.

الهوية المصرية فى محنة واتذكر حديث بينى وبين الصديق مامون فندى منذ عدة سنوات حيث ذكر لى فحوى حديث دار بينه وبين مسئول مصرى كبير من مستشارى مبارك حيث ذكر له فندى أن مصر مثل قطعة القماش المتعددة الالوان فيها الفرعنى واليونانى والقبطى والإسلامى وعلينا ان نظهر هذ الثراء الحضارى فكان رد المسئول إنهم يريدون إبراز اللون الإسلامى فقط، الم يقل الرئيس السادات نفسه فى خطاب عام أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة.
الهوية المصرية تعانى من محنة حقيقية.محنة الخلط بين الدين والمواطنة، وبين الأمن القومى والدين، وبين العروبة والإسلام، وبين النظام العام والشريعة،وإذ لم يوافق الأقباط على هذ العبث يتهمون بأنهم ضد الدين وضد العروبة أو يقفون وحيدين يمتصون قلق الأغلبية المسيطرة وإحباطاتها. إن موافقة الأقباط على هذه الهوية الملتبسة والمصبوغة بدين الأغلبية معناه الانتحار بالذوبان فى الهوية الإسلامية.

ولكن إدوارد واكين فى كتابه " أقلية معزولة" يصف الأقباط عن حق بقوله:الأقباط فى نضالهم للبقاء فى الحياة يرجعون فى أصلهم إلى الفراعنة القدماء، وبذلك فهم يتمتعون بقوة أحتمال وصلابة الأهرام، وإرادتهم وعزيمتهم فى أن يحتفظوا بشخصيتهم القبطية تتكرر بشكل لا نهائى خلال تاريخهم القديم وفى موقفهم المعاصر...إنه فصل فى قصة شعب طويلة، إنهم هناك فى مصر، وهناك سيبقون على أنهم " المصريون الحقيقيون"،" والمسيحيون الأصليون" أقباط وادى النيل، تلك الأقلية المهمومة الصابرة المنعزلة.

مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات

المصدر ايلاف