الكتاب
44558 ‏السنة 133-العدد 2008 ديسمبر 4 ‏6 من ذى الحجة 1429 هـ الخميس

طولون وولده
بقلم : مجيد طـوبيا

عندما سيطر الترك علي الخليفة العباسي في بغداد‏، أصبح الوالي علي مصر منهم‏، يظل في بغداد ويستخلف عنه أميرا يقيم في مصر‏، أي والي من الباطن‏، استمرت سيادة الاتراك في مصر طوال مدة الطولونيين الاتراك والاخشيديين الأتراك‏.‏

كان المملوك طولون تركيا أهداه أحد الولاة الي المأمون ضمن الهدايا والأموال والرقيق‏، فاعتقه المأمون وأهداه جارية اسمها هشام‏، أنجب منها ابنه أحمد‏، وقيل إنه ابنه بالتبني‏، وعندما مات طولون أوكل الخليفة المتوكل الي أحمد ما كان لأبيه من أعمال‏، ومن جارية اسمها مياس رزق بابنه ابي الجيش خماروية‏، ثم ارسله والي مصر التركي نائبا عنه في الإمارة‏، فلما قتل هذا التركي استبد احمد بن طولون بولاية مصر‏..‏

فدخلها وهو ضيق الحال‏، بينما كان متولي الخراج احمد بن المدبر بين يديه مائة غلام لهم طول اجسام وبأس شديد‏، وبيدهم مقارع مفضضة‏(‏ لزوم جمع الضرائب‏)..‏ اعجب بهم ابن طولون‏، فأخذهم لنفسه هدية‏، ثم تخلص من ابن المدبر‏.‏

يقول المؤرخ ابن اياس عنه‏..‏ جاء ومصر تلاشي امرها وانحط خراجها‏، فاهتم بعمارة جسورها وبناء قناطرها وحفر خلجانا‏، فاستقامت أحوال الديار المصرية‏..‏ ووصل الخراج اربعة آلاف ألف وثلاثمائة ألف دينار‏، غير المكوس‏(‏الضرائب التجارية‏).‏

جاء مصر مفلسا وترك عند وفاته عشرة ملايين دينار‏، ومن المماليك المشتراة سبعة آلاف مملوك‏، ومن العبيد الزنج أربعة وعشرين ألف عبد‏، ومن الخيول سبعة آلاف فرس‏، ومن البغال ستة آلاف‏، والجمال عشرة آلاف‏، ومن الفصوص والجواهر مائة صندوق‏، ومن المراكب الحربية‏، ألف مركب‏، غير الضياع والأملاك وغير ذلك‏..‏ وجمع ذلك من مص دماء الشعب المصري المغلوب علي امره أو المستسلم‏.!‏

وعندما كثرت مماليكه سطا علي الخلافة وادعاها لنفسه‏، أي استقل بحكم مصر والشام‏، مؤسسا الدولة الطولونية التي حكمت مصر من سنة‏868‏ الي‏905‏ ميلادية‏..‏ وبني مدينة القطائع وهي العاصمة العسكرية الثالثة بعد الفسطاط والعسكر‏، والثلاث متجاورة وسميت قطائع لأنها قسمت قطائع علي اتباعه‏، فكان للعسكر النوبيين قطيعة مفردة لهم تعرف باسمهم‏، وكذلك الترك‏، والفراشين‏، والغلمان والقواد‏، وعمرت القطائع في عمارة حسنة‏، وتفرقت فيها‏، السكك والأزقة‏، وعمرت فيها المساجد والطواحين‏، والحمامات العمومية والافران‏.‏

وكان الماء يصل الي قصره من عين انشأها له مهندس مصري عن طريق قناطر معلقة لاتزال أثارها باقية‏(‏ وهي غير مجري العيون‏)..‏ ثم قرر بناء جامع يروي المقريزي قصته‏:‏ فلما اراد بناء الجامع قدر له‏300‏ عمود‏، فقيل له ما تجدها أو تأخذها من الكنائس والضياع الخربة فأنكر ذلك‏، وبلغ ذلك النصراني الذي كان قد أنشأ له العين‏، وكان قد‏..‏ غضب عليه ورماه في المطبق‏(‏ السجن‏)‏ فكتب اليه يقول‏:‏ انا أبنيه كما تحب بلا عمد إلا عمودية القبلة‏.‏ فأحضره وقد طال شعره وقال انا أصوره‏(‏ أرسمه‏)‏ للأمير‏، فأمر بأن تحضر له الجلود‏، فاحضرت وصوره له‏، فأعجبه وافرج عنه وخلع عليه‏، واعطاه مائة ألف دينار‏..‏ فوضع النصراني يده في البقاء‏، في الموضع الذي هو فيه الآن وهو جبل يشكر‏، فكان ينشر منه ويعمل الجير ويبني الي ان فرغ من جميعه وبيضه وعلق فيه القناديل بالسلاسل الحسان الطوال‏، وفرش فيه الحصر وحمل اليه صناديق المصاحف‏..‏

واعطي ابن طولون الامان للمهندس‏، وكافأه بعشرة آلاف دينار‏، وأجري عليه الرزق الواسع الي ان مات‏.‏

ومسجد عمرو بن العاص بعد إعادة بنائه يشبه من حيث التخطيط مسجد احمد بن طولون الي حد كبير‏.‏

كذلك بني بجوار هذا الجامع مارستانا‏(‏ مستشفي‏)‏ ولم يكن بمصر قبل ذلك اي مارستان‏، وجعل به خزانة فيها الشراب اللازم والأدوية‏، وهكذا عرفت مصر أول مستشفي في ذلك العصر‏، وكان أحمد بن طولون من الحكام البنائين‏.