قضايا و اراء

44491

‏السنة 133-العدد

2008

سبتمبر

28

‏28من رمضان 1429 هـ

الأحد

لا للشكلية والحرفية
بقلم‏ :‏ البابا شنودة الثالث

الإنسان الفاضل يهتم بعمق الأمور وليس بشكليتها‏، ومن جهة تعامله مع وصايا الله‏، يهتم بروحانيتها وليس بحرفيتها‏.‏ ذلك لأن الشكليات هي المظهر الخارجي‏، والإنسان الروحي لا يهتم بالمظهر إنما بالجوهر‏.‏ وليس هذا فقط من جهة الأمور الدينية‏، وإنما حتي في الأمور الإدارية والمدنية والحياة عامة‏، وسنحاول في هذا المقال أن نتناول العديد من الأمثلة لشرح هذا الموضوع‏:‏

قد يركع الإنسان ويسجد‏.‏ ويظن أن السجود هو انحناء الجسد أو مجرد ملامسة الرأس للأرض‏، ويهتم بهذه الشكلية ويكتفي بها‏، بينما روحانية السجود هي انحناء الروح مع الجسد أيضا‏، وهذا لا يأتي إلا بخشوع النفس من الداخل‏، وسجود الإنسان الخاشع أمام الله يختلف تماما عن مجرد السجود الخالي من خشوع القلب‏، وجوهر السجود هو الشعور بعظمة الله وهيبته‏، فأمامه ينحني الرأس حتي يلامس الأرض ويشعر الإنسان بأنه لا عظمة له أمام عظمة الله‏..‏ وهكذا قال داود النبي في مزاميره‏:‏ لصقت بالتراب نفسي‏، ولم يقل لصقت بالتراب رأسي‏.‏

الصلاة أيضا ليست مجرد ألفاظ نرددها‏، فهذا الترديد هو مجرد شكلية الصلاة‏، إنما الصلاة في جوهرها هي صلة الله ومن هذا أخذت اسمها‏، والصلاة في عمقها هي انفتاح القلب لله‏، بكل خشوع‏، وكل حب‏، وكل إيمان‏.‏ لذلك عجيب جدا أن يصلي إنسان‏، أو يظن أنه يصلي‏، بينما لا توجد صلة بينه وبين الله فيما يسميها صلاة‏!!‏ فإن كانت لك مثل هذه الصلاة الشكلية التي ربما تكون أيضا بلا فهم وبلا مشاعر‏، فقل لنفسك في صراحة تامة‏:‏ أنا ما وقفت أمام الله لكي أعد ألفاظا‏!!..‏ إن علاقتك بالله في الصلاة ليست علاقة مع شفتيك إنما مع قلبك قبل كل شيء‏.‏

نطبق هذا الأمر أيضا من جهة العطاء أو الصدقة‏.‏ فجوهر العطاء هو أن تعطي من قلبك ومن حبك لا أن تعطي من مالك ومن جيبك‏، لأن البعض قد يعطي بغير مشاعر‏، لمجرد التنفيذ الحرفي لوصية الله‏، أو يعطي حياء منه حينما يطلب ذلك منه‏، أو يعطي وهو متذمر‏، أو يعطي الفقراء وهو يحاسبهم حسابا عسيرا ويقول أحيانا‏:‏ هذا مستحق وهذا غير مستحق‏، أو يعطي مجاملة لبعض المشروعات الاجتماعية التي تقوم بها بعض الهيئات‏..‏

وفي كل ذلك يظهر أن القلب غير مشترك في العطاء‏، أو أن العطاء غير مرتبط بمحبته للمحتاجين وإشفاقه عليهم أو يعطي بشيء من التعالي والافتخار‏!!‏ كل ذلك هو لون من الحرفية في العطاء أو الشكلية التي تخرج عن روح المحبة والشفقة والمشاركة الوجدانية مع أولئك المحتاجين‏.‏ أما الإنسان الروحي فيري أن المعطي الحقيقي هو الله‏، وأن ما يعطيه هو للناس قد أخذه من الله ليوصله منه إليهم‏، في اتضاع وإنكار للذات‏.‏

بالمنطق نفسه نتكلم من جهة الصوم‏، فروحانية الصوم هي في إخضاع الجسد وضبط النفس‏، تمهيدا لأن يكون ذلك منهج حياة‏، غير أنه قد يوجد شخص يهتم بالشكل فقط‏، أي مجرد فترة الانقطاع عن الطعام‏، ثم بعد ذلك يعطي جسده ما يشتهيه بغير انضباط‏!‏ وبهذا فإن ما ينتفع به في صومه‏، يفقده بعد إفطاره‏، بينما روحانية الصوم تقول إن الذي امتنع شهرا من الزمان عن زجاجة الخمر‏، من المفروض أنه قد وصل إلي قوة الإرادة التي يرفض بها تلك الزجاجة‏، ولا يقول عنها إنه مشتاق يسعي إلي مشتاقه‏.‏

نقطة أخري وهي أن الله ـ تبارك اسمه ـ قد وهبنا يوما في الأسبوع ليكون يوما مخصصا لعبادته‏، ولهذا أيضا جميع البلاد تعفي الموظفين من العمل في هذا اليوم‏، غير أن كثيرين ينسون جوهر هذا اليوم ويعتبرونه مجرد يوم عطلة يقضونه كيفما يشاءون دون أن يدخلوا إلي العمق ويخصصوه كله لعبادة الله وخدمته‏.‏

فاسأل يا أخي نفسك عن موقفك من هذا اليوم‏، وهل أنت تخصص لله جزءا يسيرا منه أم تعطيه اليوم كله؟‏..‏ والكلام نفسه نقوله عن الأعياد والمواسم الدينية وجوهرها وليس حرفيتها‏، ومقدار نصيب الله منها؟‏!..‏ وهل هي لمجرد اللهو أم لها طابع التقديس؟‏!‏

ننتقل إلي نقطة أخري وهي خدمة المجتمع‏، سواء الخدمة الفردية أم ما تقوم به بعض المؤسسات من خدمة عامة أو اجتماعية‏..‏ فهل الذي يقوم بهذا العمل يعتبر خادما للمجتمع بقدر ما تحمل هذه الكلمة من معني؟‏..‏ أم أن هؤلاء الخدام ينسون كلمة خدمة‏، ويرتفع قلبهم‏، ويتسلطون في مواقع خدمتهم‏، ظانين أن عضويتهم في تلك المؤسسات أو الجمعيات أو رئاستهم لها تعطيهم السلطة فيما يخدمون‏، وهكذا يكونون قد فقدوا جوهر الخدمة ومعناها‏، وأصبحت الخدمة بالنسبة إليهم مجالا لإظهار الذات‏، أو مجرد أعمال إدارية ومالية يقوم بها الأعضاء‏، أو مجرد أنشطة لتلك الهيئات وفي كل ذلك ينسون جوهر الخدمة وعمقها وروحانيتها‏.‏

موضوع الشكليات يدخل أيضا في نطاق الأخلاقيات‏.‏ فربما شاب يظـن أنه عفيف لأنه لم يرتكب الخطية عمليا‏، بينما شهوة الخطيئة في قلبه تملأ أفكاره وأحلامه‏، وعن مثل هذا الشخص قال القديس جيروم‏:‏ هناك أشخاص لهم عفة في أجسادهم‏، بينما أرواحهم زانية‏..‏ بنفس الوضع إلي حد ما في الاهتمام بالشكليات‏، تلك الفتاة التي تظن أن كل العفة في اختيار نوع ملابسها‏، وليس في نقاء القلب أو طهارة السلوك‏!!‏

نذكر في هذا المجال أيضا‏، الاحترام الشكلي‏، فقد يوجد أشخاص في العمل يقابلون رؤساءهم بمظهر من الاحترام الشديد والطاعة‏، بينما قلوبهم بغير ذلك‏، وبنفس المنطق الذين يتحدثون كثيرا عن الوطنية واحترام بلادهم‏، بينما في جوهر حياتهم لا يخدمون وطنهم كما ينبغي‏، بل يركزون علي ذواتهم كيف ينتفعون من كل وضع أو مركز يوجدون فيه‏..‏ وينظرون إلي الوظائف علي أنها مجرد مجال للكسب المادي وليست لخدمة المجتمع‏.‏ ومن هذا الوضع نائب الدائرة الذي ينسي أنه في خدمة الدائرة‏، وتصبح الدائرة هي التي خدمته باختياره نائبا‏!!