قضايا و اراء

44226

‏السنة 132-العدد

2008

يناير

7

‏29 من ذى الحجة 1428 هـ

الأثنين

جاء المسيح ينشر الحب
بقلم‏:‏ البابا شنودة الثالث

يسرني أن أهنئكم يا اخوتي وابنائي جميعا بعيد ميلاد السيد المسيح له المجد‏، وببدء عام جديد‏، جعله الله عاما سعيدا‏، لكم ولبلادنا العزيزة‏، ولهذا الشرق المبارك الذي ولد فيه المسيح‏، وبث فيه تعاليمه‏، وللعالم كله‏..‏

**‏ لقد جاء المسيح ينشر الحب‏.‏ حيثما كان يتحرك‏، كان الحب يتحرك‏.‏ وأينما كان يقيم‏، كان الحب يقيم‏.‏ عرفه الجميع محبا‏، ومحبا للجميع‏..‏

وكان يقول لتلاميذه‏..‏ وصية جديدة أنا أعطيكم‏:‏ أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم‏...‏ بهذا يعرف الجميع انكم تلاميذي‏:‏ إن كان لكم حب بعضا لبعض‏(‏ يو‏13:35/34)..‏ تري لماذا اعتبر هذا الحب وصية جديدة؟ أليس لأنه يطلب لهم حبا من نوع خاص له عمقه‏..‏ إنه الحب الباذل‏، مثل حبه هو الذي قال عنه‏:‏

ليس لأحد حب أعظم من هذا‏:‏ ان يضع احد نفسه لاجل احبائه‏(‏ يو‏15:13).‏ وهكذا قيل عن محبته لتلاميذه إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم‏، أحبهم حتي المنتهي‏(‏ يو‏13:1).‏

وعبارة حتي المنتهي هنا‏، تعني انها محبة بلا حدود‏..‏

**‏ ولم يكن الحب لتلاميذه فقط‏، بل هي وصية للعالم كله‏..‏ فلما سألوه‏:‏ ما هي الوصية العظمي في الناموس‏(‏ أي في الشريعة‏)، أجاب تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك هذه هي الوصية الاولي والعظمي والثانية مثلها‏:‏ تحب قريبك كنفسك‏، بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء مت‏:34-40..‏ وكلمة‏(‏ قريبك‏)‏ هنا‏، تعني جميع البشر لإننا كلنا أقرباء‏:‏ أبناء أب واحد هو آدم‏، وأم واحدة هي حواء‏.‏

وطبيعي أن كان كل منا يحب جميع الناس‏، فلن يسرق أحدا‏، ولا يقتل احدا‏، ولا يسئ الي احد‏، ولا يدنس عفة احد‏.‏

وان كان يحب الله‏، فلن يعصاه في شيء‏، ولا يكسر شيئا من وصاياه‏.‏ ولهذا يكون كلام السيد المسيح عن محبة الله وحبا لقريب قد شمل كل نصوص الشريعة وكل وصايا الأنبياء‏.‏

**‏ والمحبة التي نشرها السيد المسيح تشمل محبة الأعداء أيضا‏.‏ فهو الذي قال احبوا أعداءكم‏، باركوا لاعينكم‏، احسنوا الي مبغضيكم‏، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم،(‏ مت‏15:44)‏ وقال تعليقا علي ذلك‏:‏ لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم‏، فأي أجر لكم؟‏!‏ أليس العشارون أيضا يفعلون ذلك‏(‏ مت‏5:46)‏ كما أن الله المحب‏، هو أيضا يشرق بشمسه علي الأشرار والصالحين‏، ويمطر علي الأبرار والظالمين‏(‏ مت‏5:45).‏

وهكذا توصي المسيحية بأنه إن جاع عدوك فأطعمه‏، وإن عطش فاسقه‏(‏ رو‏12:20)، وقد ضرب السيد المسيح مثل السامري الصالح‏، الذي وجد يهوديا اعتدي عليه اللصوص وتركوه بين حي وميت فلما رآه سامري مسافر‏، نزل واعتني به‏، وعالجه وحمله الي فندق‏، وأنفق عليه‏(‏ لو‏10:30‏ ـ‏36).‏ بينما اليهود لا يعاملون السامريين‏(‏ يو‏4:9).‏ والقصد من هذا المثل العناية بالأعداء من جهة‏، ومعني كلمة القريب من جهة اخري‏.‏

**‏ إن محبة السيد المسيح قد شملت الغرباء مثل السامريين‏، وقصته واضحة في هداية المرأة السامرية‏، ومدينتها‏(‏ يو‏4)‏ ورفضه معاقبة قرية سامرية‏، اغلقت ابوابها في وجهه‏، وقوله لتلميذيه وقتذاك إنه لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلصها‏(‏ لو‏9:52:59).‏

وشملت محبته الأمم أيضا وكأن اليهود لا يقبلوهم ولا يتعاملون معهم ولا يتزاوجون باعتبار أنهم من الكفرة غير المؤمنين ولكن السيد المسيح تعامل معهم بحب ولما جاءه قائد مائة اممي يطلب من اجل شفاء عبد له مشرف علي الموت‏، وقال له يا سيد‏، لست مستحقا ان تدخل تحت سقفي لكن قل كلمة فيبرأ غلامي فمدحه السيد المسيح وشفي غلامه‏، وقال للجمع المحيط‏.‏ اني لم اجد ولا في اسرائيل ايمانا مقدار هذا‏(‏ لو‏7:2-10).‏

ومن محبته لهؤلاء الامم الذين كانوا يعبدون الهة غريبة دعا تلاميذه ان يبشروهم بالمسيحية‏(‏ أع‏:8)(‏ مر‏16:15)‏ وهكذا دخلوا في الايمان‏، وتركوا عباداتهم واصنامهم‏..‏ اذ قوبلوا بالمحبة وليس بالاحتقار واحب السيد المسيح ايضا العشارين والخطاة‏، وجذبهم اليه ومن أمثلتهم زكا العشار الذي لما دخل المسيح الي بيته‏، انتقده اليهود لانه دخل عند رجل خاطئ فرد المسيح قائلا اليوم حصل خلاص لهذا البيت اذ هو ايضا ابن لابراهيم‏(‏ لو‏19:7).‏ وقال عن رسالته انه جاء يطلب ويخلص ما قد هلك‏(‏ لو‏19:10).‏

**‏ ومحبة السيد المسيح بالذات شملت المرضي والمحتاجين وكل من صرعهم الشيطان فكان يجول يصنع خيرا ويشفي جميع المتسلط عليهم ابليس‏(‏ اع‏.10:38)‏ فاحضروا اليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع متنوعة‏، والمجانين والمصدومين من المفلوجين فشفاهم‏(‏ مت‏4:24)‏ وكانت المعجزات ممزوجة بالحب‏، واحيانا بعبارة تحنن ونفس هذا الحنان كان له في مجال التعليم اذ قيل عنه ولما رأي الجموع تحنن عليهم‏، اذ كانوا منزعجين ومطروح كغنم لا راعي لها‏(‏ مت‏9:36)‏ ونفس هذا الحنان ايضا قيل عنه في معجزة إقامته ابن ارملة نايبن من الموت‏(‏ لوقا‏7:11-13).‏

**‏ ومحبته شملت جميع الفقراء والمحتاجين‏، فقال عن الاهتمام بالجياع والعطاش والغرباء والعرايا والمحبوسين مهما فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الأصاغر فيما قد فعلتم‏(‏ ارمت‏35:4)‏ ووعد المهتمين بكل هؤلاء بالبركة والدخول الي ملكوت الله‏.‏

**‏ ومحبته شملت ايضا كل البؤساء والمهمشين في المجتمع‏، والذين هم في ضيق وقد قال انه جاء لكي يبشر المساكين‏، ويعصب منكسري القلوب‏، وينادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالاطلاق‏(‏ أش‏61:2,1).‏

**‏ كان ينشر الحب الذي ترتبط فيه محبة الله بمحبة الانسان كما يرتبط الحب بالايمان وبالاحتمال وهكذا تقول لنا المسيحية من لا يحب أخاه الذي يُبصره كيف يقدر أن يُحب الله الذي لم يُبصره ايو‏(4:20).‏ علي أن المحبة للاخوة ينبغي أن تكون محبة عملية وليست مجرد كلام فهكذا تعلمنا المسيحية لا نُحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق‏(‏ ايو‏3:18)‏ وهكذا توصينا بالإيمان العامل بالمحبه‏(‏ غلا‏5:6)‏ فكل عمل خال من المحبة لا يقبله الله‏.‏

**‏ المسيحية تقدم لنا الله المُحب الذي احبنا قبل ان ننوجد وحينما كنا في عقله فكرة وفي قلبه مسرة ومن اجل هذا الحب اوجدنا وبالحب منحنا البركة والرعاية والمواهب وفي محبته لنا ندعوه أبا ونصلي له قائلين ابانا الذي في السموات وفي محبته لنا ندعوه الراعي الصالح الذي يهتم بخرافه ولا يستطيع احد ان يخطفها من يده‏(‏ يو‏11:208).‏

**‏ انه إلهنا الطبيب الذي قال انا ارعي غنمي واربضها وأطلب الضال واسترد المطرود واعصب الجريح واجبر الكسير‏(‏ حز‏34:16,15)‏ وهو الذي يعطينا دون ان نطلب‏، ويعطينا فوق ما نطلب له المجد في محبته غير المحدودة‏.‏

**‏ ختاما نصلي في مناسبة هذا العيد ان يمنح الله بلادنا الرخاء والامن ويشمل برعايته العراق ولبنان وسوريا ومنطقة دارفور‏، وكل المناطق المحتاجة الي معونة ونصلي ايضا من اجل رئيس بلادنا الرئيس حسني مبارك‏، الذي جعل هذا العيد عيدا وطنيا لجميع المصريين‏.‏ وكل عام وجميعكم بخير‏.‏
المصدر: الأهرام ٧ يناير ٢٠٠٨