قضايا و اراء

44316

‏السنة 132-العدد

2008

ابريل

6

‏29 من ربيع الأول 1429 هـ

الأحد

الطبع العدواني
بقلم: البابا شنودة الثالث

تختلف طباع الناس،‏ فيوجد منها الطبع الهادئ الوديع الذي يبعد عن المشاكل،‏ أو يتعامل معها بهدوء ورقة،‏ وهو بطبيعته لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته،‏ ويكون طويل البال،‏ وكثير الاحتمال،‏ ودمثا في تعامله،‏ لايسيء الي أحد،‏ وإن أساء اليه الغير،‏ لا ينتقم لنفسه،‏ ولا يثور ولا يضج‏.‏

**‏ وعكس ذلك نوع آخر من الطباع،‏ هو الطبع العدواني،‏ أو الناري أو الهجومي،‏ ويسمونه بالانجليزية

Aggressive‏ وهذا الطبع قد يوجد عند بعض القادة،‏ أو بعض الشعوب،‏ أو يتصف به بعض الأفراد،‏ وقد يوجد أيضا في محيط الأسرة‏.‏ فمن القادة وجد هذا الطبع عند هتلر الزعيم الألماني النازي،‏ وعند كثير من قادة الجيوش الذي أطلقوا عليهم لقب مجرمي الحرب،‏ والبعض يعتبر ان شاوشيسكي في رومانيا كان من هذا النوع أيض،‏ وكذلك منجستو في اثيوبي،‏ وغيرهم‏.‏

**‏ وفي العائلات قد يتصف رب الأسرة أحيانا بالطبع العدواني،‏ فيعامل أفراد أسرته بقسوة،‏ فتشعر زوجته بأنها سجينة في البيت،‏ بأوامر مشددة يلقيها من جهة خروجها ودخوله،‏ ولقائها بالآخرين‏.‏ وهو يظن بذلك انه يحافظ علي عفتها‏!!‏ كما أن رب الأسرة هذه يكون عنيفا مع أولاده،‏ يحـطم شخصياتهم بمعاملته لهم حتي إنهم يشتاقون الي صدر حنون خارج البيت يستريحون اليه،‏ وبهذا قد يقودهم أحيانا الي الانحراف‏!‏ وهكذا بطبعه العدواني يصل الي عكس ما يريد في تربيتهم،‏ وهو يظن ذلك حزما‏..‏

**‏ الطبع الناري،‏ ربما يولد الانسان به،‏ سواء من جهة الوراثة،‏ أو لأسباب طبية أخري‏.‏ وبهذا يكون مثل هذا الطفل عدوانيا من صغره،‏ يكسر ويخرب،‏ ويعتدي علي أطفال آخرين،‏ ويسلك بعصبية واضحة‏.‏

وقد يكتسب الشخص هذا الطبع الناري من البيئة،‏ من أصدقاء عنفاء يقلدهم،‏ أو من رؤية بعض أفلام العنف،‏ أو قراءة قصص من هذا النوع،‏ ويظن ان العدوان لون من قوة الشخصية فيسلك في هذا الطريق‏.‏ وربما أثناء دراسته يصير تلميذا مشاركا في الفصل،‏ ويريد ان تكون صورته واضحة ومميزة بين زملائه‏.‏ ولامانع من أن يستخدم الاسلوب العدواني مع أساتذته،‏ إن طلبوا منه حفظ النظام،‏ أو وبخوه علي خطأ ارتكبه،‏ أو ان منعوه من الغش في الامتحان‏!‏ حينئذ يبدو طبعه العدواني‏.‏

**‏ والطبع العدواني علي أنواع ودرجات‏:‏ منها العدوان باليد،‏ مثل الضرب أو الصفع أو الركل،‏ ومنه العدوان باللسان مثل الشتيمة والاهانة والتهكم والازدراء،‏ ومنه الاهانة بالقلم،‏ أي بالكتابة والنشر،‏ حيث يتحول القلم الي شعلة تتهم أو تجرح السمعة،‏ أو تصل العدوانية في تطورها الي التشهير،‏ وربما يسبب كل هذا عداوات للعدواني‏.‏

**‏ الشخص العدواني دائما يحارب ويعارك،‏ ولا يهدأ أبدا‏.‏ وتجده دائما متحفزا مستعدا للهجوم ان تكلمت معه،‏ يبحث عن خطأ في كلامك لكي يرد عليه،‏ بل ان يكون مستعدا للرد قبل ان تتكلم‏!‏ والحوار معه يتحول الي شجار،‏ ويعلو فيه الصوت،‏ وكأنه مع من يحاوره في معركة‏.‏

**‏ انه يريد باستمرار ان ينتصر،‏ ولو بالعنف‏.‏ الذات عنده هي السيطرة عليه،‏ ويود بها ان يسيطر علي غيره‏.‏

انه يكره الوداعة ويعتبرها طراوة في الطبع،‏ ولايحب الرقة واللطف،‏ ويلجأ باستمرار الي الحدة والعنف،‏ شاعرا ان ذلك هو الاسلوب السليم الوحيد،‏ الذي يصل به الي ما يريد،‏ ويحاول ان يغطي حدته بمدح الحزم والجدية‏.‏ والجدية في مفهومه تحمل الشدة في التعبير واحيانا ملامح العبوسة‏!‏

**‏ والطبع العدواني علي نوعين‏:‏ أحدهما حاد المزاج عصبي التصرف يغضب بسرعة،‏ ويثور ويحقد،‏ ويعلو صوته ويهاجم،‏ والنوع الآخر يكون عنيفا في تصرفه،‏ مع غلاف من الهدوء وبرود مستفز،‏ مثال ذلك‏:‏ مدير اية مصلحة،‏ يصدر قرارا عنيفا جدا دون ان يثور أو يصيح‏..‏

**‏ والانسان العدواني قد يكون سوداوي الطبع،‏ له النظرة السوداء،‏ والعين الناقدة،‏ والفكر الذي يميل الي اظهار سوءات غيره،‏ واللسان العنيف الالفاظ،‏ الذي تشبه كلماته رجم الطوب،‏ وهو باستمرار يتوقع الشر والخطأ من الناس‏.‏

ومن الصعب عليه ان يثق بأحد أو ان يمدح أحد،‏ و ان مدح أحدا فلسياسة معينة،‏ أو ليهاجم به غيره،‏ كما أنه سرعان ما ينقلب ويهاجم‏.‏

**‏ والذي له طبع عدواني،‏ يكون بعيدا تماما عن الاتضاع،‏ لايستطيع ان يخضع لرئيس أو مرشد،‏ بل قد يهاجم الرؤساء ومن هم في موقف الارشاد ان خالفوا اسلوبه أو ان انتقدوه،‏ وفي نفس الوقت الذي لايخضع فيه لاحد،‏ يطالب غيره بأن يخضعوا له،‏ والا فانه يهاجمهم‏.‏

**‏ العدواني قد يكون كذلك بمفرده،‏ أو قد يكون حوله مجموعة بنفس اسلوبه،‏ يشكلون مافيا عدوانية وقد يختلف مع بعضهم فيصيرعدوانيا ضد من يخالفه،‏ لان من طبعه انه لايعالج الامور بالروية والهدوء،‏ بل بالعنف،‏ حقا ان التعامل مع الشخص العدواني ليس سهلا‏.‏

**‏ الشخص العدواني يثير الجو من حوله،‏ يكهربه،‏ وقد يثير مشكلة حيث لاتوجد مشكلة،‏ بل هو يفتعله،‏ أو انه يعتمد في ذلك علي شائعات غير سليمة،‏ أو أنه يثير مشكلة حول موضوع لم يدرسه بدقة،‏ أو أنه يسرع في عرض مشكلة قبل ان يسبقه غيره في عرضه،‏ حتي لو كانت بلا أساس‏!‏ ولكن شهوة الظهور بمظهر البطولة والقوة تدفعه الي ذلك‏.‏ وعلي اية الحالات ان عرض لمشكلة يحاول جاهدا ان يطيل زمنها حتي ترشح في الاذهان،‏ فينال بها شهرة‏!‏

**‏ وبعض العدوانيين قد يفسرون سلوكهم بأنه دفاع عن الحق،‏ بينما لايكون الحق فيما يدافعون عنه‏.‏ كما ان الذي يدافع عن الحق،‏ ينبغي ان يدافع بطريقة حقانية بعيدة عن الاخطاء،‏ وعن التطرف في الكلام أو المبالغة،‏ وايضا يكون اسلوبه بعيدا عن التشهير والتجريح،‏ ولايحاول تضخيم الأمور،‏ أو ان يجعل من الحبة قبة كما يقول المثل‏.‏

**‏ والشخص العدواني قد يلجأ الي العنف لسبب عام يقول انه يدافع عنه،‏ أو لسبب خاص مثل أولئك الذين يلجأون الي العنف بسبب الانتقام أو الأخذ بالثأر،‏ أو حسدا لمنافسين لهم ويريدون الحط من قدرهم‏.‏

عموم،‏ الانسان العدواني لايبالي بشعور غيره‏.‏ ولذلك فهو غير محبوب،‏ لأن عنفه منفر وغير مقبول‏.