قضايا و اراء
44558 ‏السنة 133-العدد 2008 ديسمبر 4 ‏6 من ذى الحجة 1429 هـ الخميس

قبل الحوار مع الآخر
بقلم : د‏.‏ سليمان إبراهيم العسكري

علي مدي العقد الأخير ارتفعت نبرة أصوات عديدة تقترح حوارا عربيا مع الآخر الغربي‏، بعد سلسلة متعاقبة من سوء الفهم المتبادل‏، ازدادت حدته عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏، التي أسفرت عن تكون صورة شديدة السلبية في الذهنية الغربية‏، علي مستوي النخب والجماهير‏، حول كل ما يتعلق بالعرب والإسلام‏، الأمر الذي أدي إلي اختزال كل ما يتعلق بالعرب والإسلام في صورة واحدة عنوانها الارهاب وعناصرها التطرف‏، والتنظيمات السرية التي ترفع شعارات دينية وتتمسح في الإسلام بالاضافة إلي بعض رموز هذه التنظيمات من الأسماء التي تتردد علي ألسنة الغربيين‏، والعرب في الواقع‏، بوصفها أيقونات للعداء للغرب والحضارات التي تنتمي إليها‏، ولاشك ـ في الحقيقة ـ في أهمية ذلك الحوار بين العرب‏، والغرب‏، وانتقاله من مستوي الدعاية والإعلام‏، وتحصيل الحاصل‏، كما سارت عليه الأمور لسنوات‏، إلي مستوي الحوار الحقيقي الذي يتضمن أفكارا يطرحها جانبان متعارضان من أجل استجلاء الحقائق‏، وكشف الوقائع من الأوهام‏.‏

الحقيقة أن مثل هذا الحوار الضروري لايمكن ان يتحقق بل وقد يصبح مستحيلا‏، كما قد تبدو الدعوة إليه نوعا من الترف واللاواقعية إذا لم يسبقه حوار داخلي بين أطراف هذه الحضارة العربية الاسلامية ذاتها‏، فليس من طبائع الامور ان نطالب بالحوار مع الآخر بينما نحن في الداخل العربي نفتقد أدني قواعد وأسس الحوار الداخلي بيننا في أجواء يغلب عليها غياب كامل لمعني الحوار ذاته أو تقدير قيمته كلون من تبادل الآراء‏، ينصت خلاله كل طرف للآخر‏، عن رغبة حقيقية وبموضوعية بحيث يتحقق منه الهدف الاساسي والجوهري وهو التعايش والتواصل مع الافكار والقيم المختلفة عبر تقدير كل طرف للآخر‏، مهما اختلفت اقتناعاتهم‏، ان نظرة شاملة علي الساحة العربية الآن كفيلة بأن تكشف لنا مدي التناقضات التي نعيشها عبر ارتفاع نعرات طائفية وعرقية عدة‏، لعل أبرز مظاهرها وتجلياتها تكشف عن نفسها في العراق‏، حيث تلاحقنا أخبار النزاعات واتهامات التكفير وأعمال القتل التي تكشف غياب العقل‏، لمصلحة نزعات طائفية ساذجة يعتقد أنصار كل منها أنهم الاصوب‏، وأنهم يمتلكون الحقيقة كلها وأنه لا حل لدي أي منها سوي ابادة كل من يختلف معها‏،

وليس العراق وحده هو الذي يجسد المسرح الرئيسي لهذه الظواهر‏، فهناك أطياف لمثل هذه الظواهر الطائفية والعرقية في فلسطين التي باتت تعاني أزمة داخلية عميقة‏، تعكس نموذجا صارخا لغياب الحوار الداخلي‏، بالشكل الذي أدي إلي انشقاقات وتصدعات حادة في جدار المقاومة الوطنية ضد المحتل الاسرائيلي‏.‏ وتصدعات لم يخطر علي بال العرب جميعا أن يشهدوا مثلها يوما‏، وهناك ايضا لبنان الذي كان يمثل النموذج الذي يطمح العالم العربي لاقتفاء أثره في الديمقراطية والحرية الفكرية كما ان هناك أطيافا أقل حدة للظاهرة نفسها في المشرق العربي‏، وكذلك في مصر‏، وهنا في منطقة الخليج وصحيح أنها ربما قد لاتصل إلي حدة ودموية مايجري في العراق‏، لكنها تظل دليلا لاشك فيه علي أن الذهنية العربية في مجملها تفتقد القيم التي تقوم عليها فكرة الحوار‏، والتفاهم والتعايش‏، وهو ما قد يؤدي إلي كوارث كبيرة في المنطقة العربية‏، إذا لم يتم تداركها‏، ومواجهة أسبابها والاطراف التي تذكي من نيران الاختلافات والفرقة والفتن‏.‏

لعل السؤال الجوهري حين نتأمل موضوع الحوار مع الآخر‏، في اطار أزمة الحوار الداخلي يمكن طرحه علي النحو التالي‏:‏ ما هو مصير الحوار الذي يمكن أن يتم الآن بيننا وبين الآخر؟ هل يمكن ان تتساوي أسس الحوار بين مجموعات تنتمي لثقافة نفي الآخر‏، وتزعم مواكبتها لروح العصر‏، مع جماعات ونخب الآخر التي تنتمي لمجتمعات تجاوزت الحداثة إلي مرحلة يطلق عليها ما بعد الحداثة؟ يقول الكاتب الامريكي ديفيد هارفي في كتابه حالة ما بعد الحداثة إن التفكير ما بعد الحداثي‏، إذ يفتح آفاقا بالاعتراف بالاصوات‏، يعود فورا ليقفل علي تعددية الأصوات هذه مانعا اياها من الوصول إلي مصادر القوة والسلطة من خلال الحجر عليها داخل أسوار الآخر الذي لانفاذ اليه‏، وباحالة الامر كله إلي مجرد ألعاب لغوية‏، وهي بذلك انما تجرد عمليا هذه الأصوات‏(‏ النساء‏، الأقليات الاثنية والعرقية‏، الشعوب المستعمرة‏، العاطلون من العمل‏..‏ إلخ‏)‏ من كل قوة فعلية لها في عالم تتحكم فيه علاقات القوة غير المتكافئة‏، أي ان الحوار بيننا وبين الآخر ـ وفقا لهذه الشروط وبناء علي ظروف وطبيعة الحالة العربية ـ محكوم عليه بالفشل‏،

لان الغرب لاينظر إلي المجتمعات العربية بالندية التي تقوم عليها فكرة الحوار‏، ومن خلال منظور المجتمعات ما بعد الحداثية كما وصفه هارفي‏، كما أن ما يقوله ديفيد هارفي يلفت الانتباه إلي أن الغرب في محاولته الاغلاق علي تعددية الصوت‏، علي عكس ما يزعم ـ يبدو كأنه يدعم تكون المزيد من الأقليات والاثنيات والعرقيات‏، لانها تحقق له هدفه ما بعد الحداثي بجهد أقل‏، لان تلك الاثنيات والاقليات عندما تبدأ في التناحر والنزاع تقوم بتصفية نفسها بنفسها‏، والامثلة حولنا لاتحتاج إلي توضيح‏، بمعني آخر فان أي حوار حقيقي مبتغي بيننا وبين الغرب‏، لابد ان يقوم علي أسس من الندية‏، حتي يتجاوز كل تلك العراقيل الثقافية بين الجانبين‏، وحتي يفوت علي الذهنية ما بعد الحداثية محاولاتها في إغلاق تعدد الصوت العربي بوصفه إما منتميا للمستعمرات القديمة‏، أو امتدادا لها أو بوصفه مجتمعا يضم عددا من الأقليات والاثنيات‏، ولكي تتحقق تلك الندية فان الاطراف المدعوة للحوار‏، لابد أن تتجاوز الكثير من العراقيل‏، بينها الوعي بالمعوقات الخاصة بتفعيل الحوار الداخلي‏،

وهو دور لايقتصر علي النخبة العربية فقط وإنما لابد ان تشترك فيه آلة الاعلام العربي‏،وأن تلعب دورا ايجابيا‏، وتبذل جهدا كبيرا في هذا الصدد من خلال تسليط الضوء علي عناصر إعاقة الحوار الداخلي‏، وكشف مخاطر التقوقع والانكفاء علي الذات‏، والسلبيات التي يمكن ان تنتج عن تضخيم صورة الذات‏، وصحيح أن وسائل الاعلام بدأت تلعب دورا في إرساء قيمة الحوار عبر العديد من البرامج الحوارية الحية‏، لكنها مازالت مطالبة بترشيد هذه النوعية من البرامج بحيث ترتكز علي اختيار النماذج صاحبة الصوت العاقل والهاديء‏، واختيار الموضوعات التي تثار فيها القضايا الحيوية والأساسية‏، بدلا من اثارة الصخب حول قضايا فرعية لاتبتغي سوي الاثارة الاعلامية‏.‏ وبحيث تتكون لدي الشباب الذهنية الموضوعية القادرة علي التحليل والنقد والنقاش العقلاني في عمر مبكر وأخيرا وليس آخرا‏، فإن مؤسسات النشر العربي مطالبة بأن تلعب دورا أساسيا في هذا الصدد من خلال توسيع نطاق نشر ثقافة التسامح والحوار بين الحضارات والثقافات المختلفة‏، وزيادة الجهد المبذول في ترجمة الاعمال الفكرية

والأدبية الغربية لاشاعة المعرفة بالآخر علي مستويات عديدة فعندما يتم ترسيخ قيمة الآخر في الذهنية العربية‏، وإعلاء دور العقل‏، والتأكيد علي أهمية الحوار في الحياة اليومية للأفراد‏، سوف تتشكل بيئة صالحة لاقامة الحوار المبتغي مع الآخر‏، من موقع الندية أولا‏، وبهدف تحقيق الاتصال بين الأفكار والقيم بين الثقافتين المتحاورتين‏، وهو ما سينعكس بالضرورة علي ضرورة الحوار ذاته‏، وما يمكن ان يتمخض عنه‏، كما أنه ـ والحال كذلك ـ سيكون معبرا عن مجتمع عربي إسلامي يؤكد اتساقه مع ما يدعو إليه في حواره‏، مما سيكسبه المصداقية ويجعل منه نموذجا ايجابيا لحوار حضاري بين شعوب تعرف معني التسامح والتواصل مع الآخر‏، والبحث عن صيغ التعايش في عالم واحد تتصل مصائر أفراده بعضها بعضا‏.‏